ديوان‮ ‬‮ ‬‮رفــ الحصانة ــع ‬

2009-02-17

رسائل من الأرض--٦

"الآلهة لا تقدم مكافآت للذكاء. ولا واحد منهم على الإطلاق أظهر أي إهتمام به."

هذه ترجمة الرسالة السادسة من سلسلة (رسائل من الأرض) للكاتب الأمريكي (مارك توين). يمكنكم الإطلاع على الأجزاء المترجمة سابقا (1)، (2)، (3)، (4)، و (5). و للإطلاع على النصوص الأصلية بالإنجليزية، نحيلكم إلى الموقع التالي.


Letters From The Earth
by Mark Twain
© Harper & Row, 1962, 1974

_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/

الرسالة 6


في ثالث يوم، قرب الظهر، تبين أن ذبابة تخلفت. ورحلة العودة كانت طويلة وشاقة بسبب عوز الخريطة والبوصلة، وبسبب تغير مناظر جميع السواحل، لأن المياه المتزايدة باستمرار غمرت بعضا من معالمها السفلى وأظهرت معالمها العليا بشكل غير مألوف. ولكن بعد ستة عشر يوما من البحث بإيمان وجد، عثروا أخيرا على الذبابة، واستقبلوها على متن السفينة بتراتيل من الثناء والإمتنان، بينما كانت (الأسرة) واقفة بدون غطاء، تبجيلا لأصلها الإلهي. كانت الذبابة منهكة وبالية، وقد عانت بعض الشيء من الأحوال الجوية، ولكن عدا ذلك كانت في حالة جيدة. رجال وأسرهم كانوا قد لاقوا حتفهم بسبب الجوع على قمم جبال جرداء، ولكن هي لم تفتقر للغذاء، فقد أمدتها الجثث الكثيرة بوفرة من الفساد والعفن. وهكذا حُفظ الطائر المقدس بالرعاية الإلهية.

بالرعاية الإلهية. ذلك هو التعبير. لأن الذبابة لم تتخلف صدفة. كلا، يد الرعاية الإلهية كان لها دور. ليس هناك صدف. كل حادث يحدث لغرض ما، وهو معلوم مسبقا منذ الأزل، مقدر منذ الأزل. منذ فجر الخلق المولى علم أن نوح، بحكم جزعه وإرتباكه من غزو حفريات الشرف المذهلة، أنه سيسرع إلى البحر قبل الأوان، ودون أن يكون معدا بمرض لا يقدر بثمن. كان من الممكن أن تكون بحوزته جميع الأمراض الأخرى، وأن يقوم على توزيعها بين أجناس الإنسان الجديدة عند ظهورها في العالم، ولكنه كان سيفتقر واحدا من أجود الأمراض-- الحمى التيفودية؛ الداء الذي، عندما تتوفر الظروف المناسبة بشكل خاص، يكون قادرا على تحطيم المريض تماما دون قتله؛ لأنه يمكن أن يعيده على قدميه مع طول العمر، ولكنه يكون أصم، أبكم، أعمى، مشلول، ومخبول. ذبابة المنازل هي الناشر الرئيسي لهذا المرض، وهي أكثر كفاءة و أفجع فعالية من باقي موزعي ذلك الويل اللعين مجتمعين. وهكذا، بتقدير مسبق منذ الأزل، هذه الذبابة تخلفت لتبحث عن جثة تيفودية ولتتغذى على عفنها وتلطخ سيقانها بالجراثيم وتحيلها إلى العالم بعد إعادة تأهيله للعمل دوما. من تلك الذبابة الوحيدة، وعبر العصور التي انقضت منذئذ، بلايين من أسرة المرض ملئت، بلايين من الأجسام المحطمة أرسلت تترنح حول الأرض، وبلايين المقابر جُند لها الأموات.

إن فهم مزاج رب المصحف غاية في الصعوبة، فيا له من فوضى من التناقضات؛ من تميع مائي وحزم حديدي؛ من أخلاق مجردة حلوة-حليوة مصنوعة من الكلمات، وأخرى مخرسنة وليدة الجحيم ومصنوعة من الأفعال؛ من رأفة عابرة يُتاب عنها إلى خباثات دائمة.

ولكن عندما تستقصي سر مزاجه، بعد كثير من الحيرة، تتوصل أخيرا إلى شيء من فهمه. وقد كشف عن ذلك السر بنفسه وبصراحة جذابة صبيانية ومدهشة. إنها الغيرة!

أتوقع أن يذهلكم ذلك. أنتم تعلمون -- فقد سبق لي أن أعلمتكم في رسالة سابقة -- أن الغيرة تعتبر ضعفا متميزا بين البشر؛ وهي العلامة التجارية للعقول الصغيرة؛ إحدى خواص جميع العقول الصغيرة، ولكنها مخجلة حتى لأصغر العقول، وعندما يتهم بحوزتها سوف ينكر ذلك كذبا ويستاء من الإتهام على أنه إهانة.

الغيرة. لا تنسوها، أبقوها في الإعتبار. إنها السر. بها سوف تصلوا إلى فهم الله جزئيا بينما نمضي قدما؛ بدونها لا يمكن لأحد أن يفهمه. وكما قلت، انه أشهر هذا السر المدين بنفسه، ليراه الجميع. ويقول، بعباطة، بصراحة، وبدون إشارة من الحرج: "أنا الله ربكم إله غيور".

كما ترون، إنها مجرد عبارة أخرى لقول "أنا الله ربكم إله صغير؛ إله صغير ومهموم بالصغائر."

كان يوجه إنذارا: إنه لا يستطيع تحمل فكرة حصول أي إله آخر على بعض من مدائح هذا الجنس البشري الكوميدي يوم الأحد-- أرادها جميعا لنفسه. إنه يقدرها. بالنسبة له هي ثروات، تماما كما هي العملة القصديرية بالنسبة لأحد الزولو.

ولكن مهلا -- أنا لست عادلا؛ إنني أشوه صورته؛ الحكم مسبقا هو الذي يخدعني لأقول ما ليس صحيحا. فلم يقل الله أنه يريد كل التملقات؛ لم يذكر شيئا عن عدم استعداده لتقاسمها مع زملائه الآلهة؛ ما قاله هو "لا تتخذوا آلهة أخرى من دوني."

وهو شيء مختلف تماما، ويضعه في صورة أفضل -- أنا أعترف بذلك. كانت هناك وفرة من الآلهة، الغابات كانت مليئة بهم، كما يقول المثل، وكل ما طالب به أنه ينبغي أن يكون في مرتبة الآخرين -- ليس فوق أي منهم، ولكن ليس أقل من أي واحد منهم. كان راضيا لهم أن يخصبوا عذارى الأرض، ولكن ليس وفق أي شروط أفضل مما يكون له عندما يأتي دوره. أراد أن يُنظر له كند لهم. على هذا أصر، وبأوضح العبارة: أنه لن يقبل بآلهة أخرى قبله. يمكنهم أن يسيروا معه جنبا إلى جنب، ولكن لا يمكن لأي منهم ان يقود المسيرة، ولم يدعي حق القيادة لنفسه.

هل تعتقد انه كان قادرا أن يلتزم بذلك الموقف المستقيم المحمود؟ كلا. يمكنه أن يبقي على قرار سيء إلى الأبد، لكنه لا يستطيع الحفاظ على واحد جيد لمدة شهر. مع مرور الوقت، ألقى به جانبا وادعى أنه الإله الأوحد في الكون بأسره.

وكما كنت أقول، الغيرة هي المفتاح؛ وهي حاضرة بارزة عبر جميع تاريخه. إنها دم مزاجه وعظامه، وهي أساس طبعه. كم من صغيرة يمكنها أن تحطم رباطة جأشه وتسبب إضطراب حكمه إذا لامست عرق غيرته. ولا شيء يحمّي هذه السمة بشكل أسرع ولا أكثر تأكيد وغلو مثل الاشتباه في أن بعض المنافسة مع الأمانة الربانية قد أوشكت. الخوف من أن آدم وحواء إذا أكلوا من ثمرة شجرة المعرفة سوف "يكونوا كالآلهة" ألهب غيرته إلى درجة التأثير في عقله، ولم يستطع أن يتعامل مع تلك المخلوقات المسكينة بإنصاف أو بإحسان، ولا حتى أن يمتنع عن التعامل بقسوة وإجرام مع ذريتهم التي لا لوم عليها.

إلى يومنا هذا لم يتعافى عقله من تلك الصدمة؛ وقد امتلكه كابوس ثأري متوحش منذ ذلك الحين، وقارب على إستنفاذ عبقريات فطرته في إختراع الآلام والمآسي والاهانات والخيبات التي بها يكدر حياة أحفاد آدم القصيرة. تدبّر الأمراض التي أبدعها لهم. وهي كثيرة جدا؛ لا يمكن حصر أسماءها جميعا في أي كتاب. وكل واحد منها هو فخ منصوب لضحية بريئة.

الإنسان آلة. آلة تلقائية تتكون من آلاف الآليات المعقدة والحساسة، التي تؤدي وظائفها في وئام وعلى أكمل وجه، وفقا لقوانين وضعت لحكمها، وعليها ليس للإنسان نفسه أية سلطة، ولا سيادة، ولا سيطرة. ولكل واحدة من هؤلاء الآلاف من الآليات صمم الخالق عدوّا، مهمته أن يضايقها، يضطهدها، يضرها، يصيبها بالآلام، والبؤس، والتدمير في نهاية المطاف. ولا آلية واحدة تم التغاضي عنها.

من المهد إلى اللحد هؤلاء الأعداء دوما يعملون، لا يعرفوا الراحة، ليلا ولا نهارا. إنهم جيش: جيش منظم؛ جيش محاصر؛ جيش معتدي؛ جيش متأهب، يقظ، متلهف، لا رحمة له؛ جيش لا يلين أبدا، ولا يهادن أبدا.

إنه يتحرك في جماعات، وفي سرايا، وفي كتائب، وأفواج، وألوية، وشعاب، وفيالق؛ وبين الحين والآخر يحشد أجزائه ويزحف على بني الإنسان بكامل قواه. إنه جيش الخالق العظيم، وهو قائده العام. على طول جبهته، تلوح راياته المروعة في مواجهة الشمس بأساطيرها: كوارث، أمراض، والبقية.

المرض! تلك هي القوة الرئيسية، القوة الدؤوب، القوة المدمرة! تهاجم الرضيع لحظة ولادته، توفر له الداء تلو الداء: خناق، حصبة، نكاف، مشاكل الأمعاء، آلام التسنين، حمى قرمزية، وغيرها من مخصصات الطفولة. انها تطارد الطفل إلى أن يدخل سن الشباب وتوفر له بعض مخصصات تلك المرحلة من العمر. تطارد الشباب إلى الرشد، والرشد إلى الشيخوخة، والشيخوخة إلى القبر.

مع هذه الحقائق أمامكم، لكم الآن أن تحزروا الإسم المفضل لدى الإنسان لهذا القائد العام الشرس؟ سأوفر عليكم المتاعب -- ولكن يجب عليكم ألا تضحكوا. إنه (أبانا في السماء)!

غريبة -- الطريقة التي يعمل بها العقل البشري. المسيحي يبدأ بهذا المقترح المباشر، هذا المقترح المحدد، هذا المقترح الجامد الغير متسامح: إن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير.

والحال كذلك، لا شيء يمكن ان يحدث دون أن يعرف مسبقا أنه سيحدث؛ لا يحدث شيء دون موافقته؛ لا يمكن أن يحدث شيء إذا اختار أن يمنعه.

هذا مؤكد بما فيه الكفاية، أليس كذلك؟ وهو يجعل الخالق مسؤولا بتميز عن كل ما يحدث، أليس كذلك؟

المسيحي يعترف بذلك في تلك الجملة المكتوبة بالخط المائل. يعترف بإحساس، بحماس.

ومن ثم، وبعد أن حمّل الخالق المسؤولية عن تلك الآلام والمآسي والأمراض المعددة أعلاه، والتي كان بإمكانه أن يمنعها، المسيحي الموهوب يدعوه بلا طعم (أبانا)!

إن الأمر كما أخبركم. فهو يجهّز الخالق بكل سمة تستعمل في صنع سفاح، وبعد ذلك يخلص إلى أن السفاح والأب نفس الشيء! رغم أنه ينكر أن المعتوه الشرير وناظر مدرسة يوم الأحد هما أساسا نفس الشيء. ما رأيكم في العقل البشري؟ أعني، في حال اعتقادكم أن هناك عقل بشري.

التسميات: ,

6 تعليقات:

إرسال تعليق

مواضيع مرتبطة

إنشاء رابط

عودة إلى المدخل