ديوان‮ ‬‮ ‬‮_‬رفع‮ ‬الحصانة‮_‬ ‬

2008-03-21

برتراند رصل: صلاة إنسان حر--١


"لايمكن أبدا أن أموت من أجل معتقداتي لأنني قد أكون مخطئا."

هذه ترجمة جزء من المقالة الشهيرة (A Free Man's Worship) بقلم الفيلسوف وعالم المنطق (برتراند رسل). لاحظ أنني فضلت كلمة (صلاة) على كلمة (عبادة) التي تستعمل عادة لترجمة (worship) لأن كلمة (عبادة) لا تليق بإنسان حر، خاصة في هذا السياق.

يمكن لقراء الإنجليزية الإطلاع على سيرة برتراند راسل (هنا) وعلى المقالة الأصل (هنا).


/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_


للدكتور فاوستوس في خلوته، سرد ميفيستوفلس تاريخ الخلق قائلا:

"إن المدح الذي لا نهاية له من جوقات الملائكة قد بدأ يتزايد إرهاقا؛ فبعد كل شيء، ألم يستحق مدحهم؟ ألم يهبهم فرحا لا ينتهي؟ أولن يكون أكثر متعة أن يحصل على ثناء غير مستحق، أن يُعبد من قبل كائنات يعذبها؟ ابتسم داخليا، وقرر أن الدراما العظيمة تنبغي تأديتها.

"لعدد لا يحصى من العصور كان السديم الساخن يجوب بسرعة وعشوائية عبر الفضاء. بعد طول بدأ يتبلور، ورمت الكتلة المركزية كواكبا، والكواكب بردت، بحار تغلي وجبال محترقة تقاذفت، ومن كتلات سحابية سوداء صفائح من أمطار ساخنة أغرقت القشرة التي كانت بالكاد قد تجمدت. والآن أول جرثومة للحياة نمت في اعماق المحيط، وتطورت بسرعة في ذلك الدفء المثمر إلى أشجار غابات شاسعة، سراخس ضخمة تنبثق عن الفطريات الرطبة، وحوش بحرية تتناسل، تتقاتل، تلتهم، وتمضي بعيدا. ومن الوحوش، كما كشفت المسرحية عن نفسها، ولِد الإنسان، بقوة الفكر ومعرفة الخير والشر، والتعطش القاسي للعبادة، ورأي الإنسان أن كل من عليها فان في هذا العالم المجنون البشع، وأن كل شيء يناضل من أجل انتزاع، وبأي ثمن، بضع لحظات خاطفة من الحياة قبل مرسوم الموت الذي لا يرحم. وقال الإنسان : `هناك غرض خفي، لو أننا فقط نسبر أغواره، وهو غرض جيد؛ لأننا يجب أن نقدس شيئا ما، وفي العالم المرئي ليس هناك ما يستحق التقديس. ' ووقف الإنسان جانبا من الكفاح، مقررا أن الله أراد أن يخرج الوئام من الفوضى بجهود البشر. وعندما تتبع الإنسان الغرائز التي أحالها الله إليه من أسلافه الحيوانات المفترسة، أطلق عليها إسم ذنب، وسأل الله أن يغفر له. ولكنه شك في أن يكون مغفورا له بإنصاف، إلى أن اخترع خطة إلهية والتي بموجبها كان من المقرر أن يتجنب غضب الله. ومع رؤيته لسوء الحال، جعلها أسوأ، عسى أن يكون المستقبل أفضل. وحمد الله على القوة التي مكنته من أن يمتنع حتى عن المتع التي تعد ممكنة. وابتسم الله؛ وعندما رأى أن الإنسان قد أصبح كاملا في التخلي والعبادة، أرسل شمسا أخرى عبر السماء صدمت شمس الإنسان، وعاد كل شيء مرة أخرى الى سديم.

"'نعم' ، قال متمتما ، 'كانت مسرحية جيدة؛ سأعمل على عرضها مرة أخرى. '"

هكذا، في خطوط عريضة، بل بأكثر إفتقار لأي هدف، وأكثر خلو من أي معنى، هو العالم الذي يعرضه العلم لإيماننا. في خضم هذا العالم، إن في أي مكان كان، مثُلنا من الآن فصاعدا يجب أن تحل بمنزل. أن الإنسان نتاج لأسباب لم تسبق لها رؤية النهاية التي كانت تعمل على إنجازها؛ أن أصله، نموه، آماله ومخاوفه، محباته ومعتقداته مجرد نتيجة تجمع عرضي من الذرات؛ أن لا نار، ولا بطولة، ولا حدة في الفكر والشعور تستطيع الحفاظ على حياة الفرد إلى ما بعد القبر؛ أن كل جهود العصور، كل التفاني، كل الإلهام، كل سطوعات عبقرية الإنسان، أنها جميعا آيلة الى الإنقراض فى الموت المهيب للمنظومة الشمسية، وأن معبد إنجازات الإنسان بكامله سيكون حتما مدفونا تحت أنقاض كون محطم-- كل هذه الأمور، إن لم تكن تماما خارج نطاق النزاع، فإنها من اليقين بقرب إلى درجة أن أية فلسفة ترفضها لا يمكن لها أن تصمد. فقط في داخل هيكل هذه الحقائق، فقط على أساس متين من يأس لا يلين، يمكن أن يُبنى مسكن الروح بأمان من الآن فصاعدا.

كيف، في هذا العالم الأجنبي اللا إنساني، يستطيع مخلوق بعجز الإنسان أن يحفظ تطلعاته من التشوه؟ إنه لغز غريب، أن الطبيعة، قاهرة ولكن عمياء، في خضم عجالاتها اللادينية عبر هاويات الفضاء، أخيرا أنجبت طفلا يخضع لسلطانها، ولكنه موهوب بالبصر، بمعرفة الخير والشر، بقدرة الحكم على جميع أعمال أمه الغير عاقلة. علي الرغم من الموت، علامة الرقابة الأبوية وخاتمها، لا زال الإنسان حرا طوال سنواته الوجيزة، ليدرس، لينقد، ليعرف، وبخياله ليخلق. له وحده، في العالم الذي يعرفه، أن يملك هذه الحرية، وفي ذلك يكمن تفوقه على القوى التي لا رادع لها، والتي تتحكم في حياته خارجيا.

البدائي يشعر مثلنا بقمع عجزه أمام قوى الطبيعة؛ ولكن بحكم أنه لا يملك في نفسه شيئا يحترمه أكثر من القوة، فهو على إستعداد أن يخر ساجدا أمام آلهته، دون الإستفسار عما إذا كانوا جديرين بعبادته. مؤسف ورهيب جدا هو تاريخ التعذيب والقسوة الطويل، تدهور وتضحيات إنسانية قُبلت أملا في استرضاء الآلهة الحسودين: بالتأكيد، المؤمن المرتجف يعتقد، بعد تقديم الأثمن بعفوية، أن شهوة الدم عندهم لابد أن تكون قد سُدت، ولن يكون هناك حاجة للمزيد. ديانة (مولوخ) -- كما يمكن أن تدعى هذه المذاهب بشكل عام -- هي في جوهرها إسلام العبد الذليل، الذي لا يجرؤ، حتى بقلبه، أن يسمح لخاطرة تراوده بأن ربه لا يستحق العبادة. وبما أن استقلال المُثل ليس مسلّما به بعد، القوة يمكن أن تُعبد بحرية وأن تلقى احتراما غير محدود، على الرغم من ألم أذاها الغاشم.

ولكن بالتدريج، بينما تزداد الأخلاق جرأة، يصبح مطلب العالم المثالي محسوسا؛ والعبادة، إن لم تتوقف، لا بد أن تعطى لآلهة من نوع آخر، غير تلك التي أوجدها البدائيون. البعض، رغم أنهم يشعرون بمطالب المثالية، سيظلون يرفضونها عمدا، ويحثون بأن القوة العارية جديرة بالعبادة. هكذا هو الموقف المتمثل في رد الله على أيوب خارج الدوامة: إستعراض القوة والمعرفة الإلهية، أما الخير الإلهي فليس منه حتى لمحة. وهكذا أيضا هو موقف أولئك الذين، في يومنا هذا، يبنوا أخلاقهم على أساس الصراع من أجل البقاء، تمسكا بأن الناجين هم الأصلح بالضرورة. ولكن آخرين لا يكتفوا بهذا الرد البغيض على الحاسة الأخلاقية، سيتخذوا موقفا تعودنا أن نعتبره دينيا بشكل خاص، متمسكين بأن عالم الواقع، بشكل خفي، منسجم حقا مع عالم المُثل. وهكذا يخلق الإنسان الله، بكامل قوته وكامل خيره، توحيد سحري لما يكون وما يجب أن يكون.

ولكن عالم الواقع، على كل حال، ليس جيدا؛ وفي تسليم حكمنا له هناك عنصر من الخنوع الذي يجب تطهير افكارنا منه. ففي جميع الأمور، يستحسن إعلاء كرامة الإنسان، عن طريق تحريره إلى أبعد حد ممكن من طغيان القوة الغير بشرية. فعندما يكون لدين إدراك أن القوة سيئة إلى حد بعيد، وأن الإنسان، بمعرفته الخير والشر، ما هو إلا ذرة عاجزة في عالم ليس له مِثل هذه المعرفة، عندها يكون لنا أن نختار مرة أخرى : هل نعبد القوة، أم نعبد الخير؟ هل يوجد ربنا ويكون شريرا، أم يُعترف بكونه مخلوق ضميرنا؟

إن الإجابة على هذا السؤال هامة جدا، وتؤثر بعمق في كل أخلاقياتنا. عبادة القوة، والتي عودنا عليها (كارلايل) و(نيتشه) ومذهب العسكرية، هي نتيجة الفشل في المحافظة على مُثلنا ضد كون معادي : إنها بذاتها إسلام ساجد للشر، وتضحية بأعز ما لدينا لمولوخ . إذا كان للقوة أن تحترم في الواقع، فإنه حري بنا أن نحترم قوة أولئك الذين يرفضون "الإعتراف بالحقائق" الكاذب، الذي يفشل أن يعترف بأن الحقائق غالبا ما تكون سيئة. دعونا نعترف بأنه، في العالم الذي نعرفه، هناك الكثير من الأمور التي من شأنها أن تكون أفضل على خلاف ما هي عليه، وأن المُثل التي بها ولابد أن نلتزم لا تتحقق في مجال المادة. فلنحافظ على إحترامنا للحقيقة، للجمال، لمثل الكمال الذي لا تسمح لنا الحياة ببلوغه، رغم أن أيا من هذه الأمور لا يحظى برضا الكون اللاواعي. إذا كانت القدرة سيئة، كما يبدو، فلنرفضها من قلوبنا. في هذا تكمن حرية الإنسان الحقيقية: في تصميمنا على عبادة فقط الله الذي خلقه حبنا للخير، وعلى إحترام فقط السماء التي تلهم البصيرة في أطيب اللحظات. في العمل، وفي الرغبة، لا بد أن نستسلم على الدوام لطغيان القوى الخارجية؛ ولكن في الفكر، وفي الطموح، نحن أحرار، أحرار من زملائنا الإنسان، أحرار من الكوكب الذي تزحف عليه أجسادنا عقما، وأحرار، في حياتنا، حتى من طغيان الموت. فلنتعلم، إذا، تلك الطاقة الإيمانية التي تمكننا من العيش باستمرار في مرأى الخير؛ ودعونا نهبط، عملا، الى عالم الواقع، بتلك الرؤية دائما أمامنا.

{آمين. الباقي يتبع يوما ما... ربما.}

2007-11-12

رسائل من الأرض--٤



"لا يمكنك الإعتماد على عينيك، عندما يكون خيالك مشوشا."


هذه ترجمة الرسالة الرابعة من سلسلة (رسائل من الأرض) للكاتب الأمريكي (مارك توين). يمكنكم الإطلاع على الأجزاء السابقة هنا وهنا و هنا وللإطلاع على النص الأصلي بالإنجليزية، نحيلكم إلى الموقع التالي.


Letters From The Earth
by Mark Twain
© Harper & Row, 1962, 1974

_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/

الرسالة 4


وهكذا خرج الزوج الأول من الجنة تحت لعنة -- لعنة دائمة. لقد فقدا كل ما ملكا من متع قبل "السقوط" ؛ ورغم ذلك كانوا أثرياء، لأنهم إكتسبوا متعة تساوي بقية المتع مجتمعة: لقد عرفوا (الفن الأعلى).

مارسوه بجد وكانوا مليئين بالإمتنان. الإله أمرهم بممارسته. أطاعوا هذه المرة. وحسن أنه لم يكن محرما، لأنهم كانوا سيمارسونه على أي حال، ولو حرمه ألف إله.

النتائج تبعت. باسم قابيل وهابيل. وهؤلاء كانت لهم بعض الأخوات؛ وعرفوا ماذا يفعلون بهن. وهكذا كان المزيد من النتائج : هابيل وقابيل أنجبا بعض أبناء وبنات الأخت. وهؤلاء، بدورهم، أنجبوا بعض ابناء العم من الدرجة الثانية. هنا بدأت صعوبة تصنيف العلاقات، وتم التخلي عن محاولة إبقاءه.

العمل السعيد على تأهيل العالم مضى من عصر إلى عصر، وبكفاءة عالية؛ ففي تلك الأيام السعيدة ظل الجنسان مؤهلين للفن الأعلى حتى عندما توجب أن يكونا في عداد الأموات ثمانمائة سنة. الجنس الأحلى، الجنس الأعز، الجنس الأروع كان بوضوح في أحسن أحواله، عندئذ، لأنه تمكن حتى من إغراء الآلهة. آلهة حقيقية. نزلوا من السماء وأمضوا أوقاتا رائعة مع تلك الزهور الشابة الحامية. الإنجيل يخبر عنها.

بمساعدة أولئك الأجانب الزائرين نما عدد السكان ونما إلى أن بلغ عدة ملايين. ولكنها كانت خيبة أمل عند الإله. لم يكن راض على أخلاقهم؛ والتي لم تكن أفضل من أخلاقه في بعض النواحي. والواقع أنها كانت تقليد مقارب بلا تملق لأخلاقه. كانوا أناس سيئين للغاية، وبما أنه لم يعرف طريقا لإصلاحهم، فقد خلص بحكمة إلى إلغائهم. وهذه هي الفكرة الوحيدة المستنيرة حقا التي قيدها له إنجيله، وكان لها أن تصنع سمعته إلى الأبد، لو أنه فقط كان قادرا أن يبقي عليها وينفذها. لكنه كان دائما غير مستقر--إلا في دعاياته-- وانهارت عزيمته. كان فخورا بالانسان؛ فقد كان الإنسان أروع اختراعاته؛ وكان الإنسان أليفه، بعد الذبابة، ولم يستطع أن يفقده كليا؛ ولذلك قرر أخيرا أن يحتفظ بعينة منه ويغرق الباقين.

لا شيء يمكن أن يميزه بشكل أفضل. هو الذي خلق كل هؤلاء الناس سيئي السمعة، وهو وحده المسؤول عن سلوكهم. لا أحد منهم يستحق الموت، لكن إخمادهم كان سياسة جيدة؛ خصوصا أن في خلقهم كانت الجريمة الكبرى قد نفذت، والسماح لهم بالتكاثر من شأنه أن يكون إضافة متميزة للجريمة. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن ان تكون هناك عدالة، ولا إنصاف، في أي محسوبية-- ينبغي أن يغرق الجميع أو لا أحد.

كلا، لن يقبل بذلك؛ انه سيوفر نصف دستة وسيعيد الكرة مع هذا الجنس. لم يكن قادرا أن يتنبأ بفساده مرة أخرى، فهو ليس سوى (ذو النظر البعيد) في دعاياته.

إنه أنقذ نوح وعائلته، ورتب لإبادة الباقين. صمم سفينة، ونوح بناها. لم يسبق لأي منهما قط أن بنى سفينة، ولا أن عرف اي شيء عن السفن؛ وهكذا كان المتوقع شيئ من غير المعتاد. وهكذا حدث. نوح كان مزارعا، ورغم أنه كان على علم بما هو مطلوب من السفينة، فقد كان عاجزا تماما أن يقرر ما إذا كانت هذه السفينة كبيرة بما يكفي لتلبية المتطلبات ام لا (ولم تكن كذلك)، ولذلك لم يغامر بأية نصيحة. الإله لم يدري أنها لا تكفي، بل خاطر بدون أن يجري قياسات كافية. في النهاية السفينة كانت أقل بكثير من الضرورات، وحتى يومنا هذا لا يزال العالم يعاني من ذلك.

نوح بنى السفينة. بناها على أفضل ما يمكنه، لكنه تغافل عن معظم الضروريات. لم يكن لها دفة، ولم يكن لها أشرعة، ولا بوصلة، ولا مضخات، ولا خرائط، ولا مراسي، ولا سجل، ولا ضوء، ولا تهوية، أما غرفة الشحن--التي كانت الأهم-- فأقل ما يقال عنها هو الأفضل. كان عليها أن تبقى في البحر أحد عشر شهرا، وستحتاج من المياه العذبة ما يكفي لملء سفينتين من حجمها--ورغم ذلك لم توفر السفينة الإضافية. المياه من الخارج لا يمكن استخدامها: نصفها سيكون من المياه المالحة، والناس والحيوانات البرية لا يمكنهم شربها.

فلم تكن فقط عينة من الإنسان رهن الإنقاذ، بل عينات تجارية من الحيوانات الأخرى ايضا. يجب ان نفهم أن آدم عندما أكل التفاحة في الحديقة وتعلم كيف يتكاثر ويعوض المفقود، باقي الحيوانات تعلمت (الفن) أيضا، من مشاهدة آدم. كان مكرا منهم، وبراعة؛ لأنهم حصلوا على كل ما له قيمة من التفاحة من دون أن يتذوقوها ويصيبوا أنفسهم بكارثة حاسة الأخلاق، أم المنكرات جميعا.

2007-10-29

ممنوع من النشر: المباديء الإنسانية والعوائق الفوق-إنسانية

نشرت براكة (ليبيا اليوم) مقالة بقلم السيدة عزة المقهور تحت عنوان (التحرش الجنسي في مواقع العمل بين الصمت والتشريع) وموضوع المقالة يمثل مشكلة أخلاقية واسعة الإنتشار، حتى في المجتمعات المتمدنة، ناهيك عن المجتمعات المتخلفة التي تجعل للعار وزنا أكبر من الذنب، وبذلك الشكل تعوق دون بوح الضحايا بوقوعهم تحت جريمة التحرش وتجهض بالعار الإجتماعي جميع التشريعات والآليات القانونية التي تهدف إلى إنصاف المجني عليهم، وعقاب الجناة وردعهم مسبقا. آثارت المقالة عدة تعليقات أشادت بفكرة تسليط الضوء على هذه الظاهرة لفضح الإنحرافات الأخلاقية ولمناصرة المرأة وتعزيز قدراتها لنيل حقوقها وتحقيق طموحاتها في مجال العمل والدراسة، إلخ. ومن بين التعليقات كانت بالطبع هناك تعليقات من الإسلاميين الذين لا يعيشون في عالم اليوم (أخلاقيا). من بين هؤلاء ، علق السيد خالد الغول (إسلامي يعاني من عقدة النقص تجاه النساء) بأن القانون لا يوقف التحررش الجنسي، وألقى بالمشكلة على عاتق الضحية: إما أن تبلغ عن التحرش أو تكون راغبة فيه وتتحمل ما كسبت. وعلق إسلامي آخر بأن حل هذه المشكلة يكمن في حبس المرأة في بيتها وإبعادها عن مجال العمل، وعلل حلوله (لمشكلة العار وليس لمشكلة الذنب) بأن الوقاية خير من العلاج. ثم مضى السيد الإسلامي إلى أن المرأة يجب تعليمها جيدا لكي تبقى في بيتها وتجيد تربية أبناءها ليرفعوا راية الإسلام، ويجيدوا عبادة الله، وغيرها من الأهداف الأيديولوجية. وكان لنا تعليق حول الموضوع، ولكن سادة البراكة لم ينشروه لأنهم مثل باقي الإسلاميين محدودي المدى لا يستطيعوا أن يواجهوا غيرهم في ميادين الفكر على ساحة مستوية بدون إنحياز وبتساوي الفرص.

يمكنكم الإطلاع على المقالة والحوار المنشور في براكة (ليبيا اليوم) عبر الرابط أعلاه. ثم تفضلوا بقراءة التعليق التالي الممنوع من النشر لدى أحبابنا من الإصلاحجية الإسلامية.

كما جرت العادة، المباديء الإنسانية العلمانية تصطدم بالعوائق الإسلامية. الإنسانية العلمانية تدعو إلى شمولية الحقوق والمساواة وصيانة كرامة الإنسان بغض النظر عن جنسه ودينه وعمره ولون بشرته، إلخ. والمباديء الإسلامية تقوم على أساس عدم المساواة، وذلك بإسناد الحقوق على الجنس والدين والعلاقات العرقية (مثل مفهوم مسؤولية (العاقرة) ومقابله ميثاق الشرف في جماهيرية الحمقى). المباديء الإنسانية لا تتحقق على أرض الواقع بسهولة، حتى في المجتمعات الغربية المتقدمة، بحكم الإرث الديني والعنصري لتلك المجتمعات، ولكن هناك تقدم وحراك مستمر لأن الدساتير والمنظومات القانونية التي تسود تلك المجتمعات لا يوجد فيها ما هو محصن ضد التقدم والتطور. أما في المجتمعات المتخلفة، لا سيما المجتمعات الإسلامية، لا زال الإنسان مكبلا بقيود العبودية ولا زالت حقوقه مجمدة في قوالب قديمة تسمى (ثوابث). القاعدة الدينية العتيقة بنيت عليها صروح نصية كاذبة، غير متجانسة، تشكل ما يسمى قوانين وهي في الحقيقة أدوات إحتياطية لا يتم تفعيلها إلا لصالح الطغمة المتسلطة.

الغرض من هذه المقدمة هو تقديم خلفية لتقييم الأمور تقييم عقلي. في المجتمعات الإسلامية مهما تقدمت وتكاثرت التشريعات المبنية على أسس إنسانية مستوردة، ستظل تلك التشريعات حبيسة في عالم نظري لا علاقة له بالعالم العملي لأن تطبيق تلك التشريعات سرعان ما يصطدم بالنماذج الفكرية التي تقول أن الله (وحراسه، مثل السيد الغول) أدرى بما ينفع الإنسان، والله فضل الرجل على المرأة ومنحه حق السمو الأبدي، ومنحها خاصية نقصان العقل والإغراء والإغواء، واالإنحراف الخلقي. وهذا الفكر هو السبب الذي يجعل الرجل الإسلامي (مثل السيد الغول) يحتج أن القانون لا يوقف التحرش الجنسي وأن السبب في التحرش الجنسي يعود للضحية ذاتها: للمرأة. إما أن تبلغ عن التحرش أو أنها تكون راغبة فيه وتستحق ما كسبت. في كلتا الحالتين المسؤولية تقع على المرأة، أما الرجل فهو مجرد حيوان يقوده الإغراء ولا يطلب منه أن يكون متحكما في سلوكه بعقله. في العالم الحر الذي يعيش فيه السيد الغول، مجرد إتهام الضحية بأنها السبب قد يؤدي به إلى السجن، ولكن السيد الغول الإسلامي لا يفهم معنى الحقوق ولا يفهم الإعتداء الجنسي والإغتصاب ليست أعمال جنسية على الإطلاق بل أعمال عنف إجرامية سادية، ولا علاقة لها بالجمال أو الجاذبية البدنية.

تخيل يا عزيزي القاريء ما سيحدث إذا نجح الإسلاميون في عقد شراكة سلطوية مع العصابة الحاكمة في ليبيا. النتيجة ستكون بوضوح نموذج أخر من الفاشية الدينية، أي بمعنى قران المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية والعسكرية، مثل ما يحدث في السعودية وإيران وحدث في أفغانستان الطالبان. وهذا المستقبل البغيض هو هدف ما يسمى زورا بالإصلاح الإسلامي في ليبيا، وهو الهدف الذي من أجله مستعد الغول وباقي الإسلاميين أن يتغاضوا عن مسؤولية معمر القذافي الأخلاقية ومستعد أيضا أن يقدم مسبقا شيك التغاضي لأي وريث لمعمر القذافي يسمح لهم بقطعة من كعكة السلطة.

الهيمنة الإسلامية الأيديولوجية تتمثل أيضا بوضوح في فكر السيد (المتحرر) الذي يقوم أساسا على نفس المفاهيم التي تشرع العبودية وتجارة الرقيق وتجارب الدكتور (منغلي)، وهو الفكر الذي يعتمد الفوارق البيولوجية كأساس للتمييز بين إنسان وإنسان. ضرورة تعليم المرأة عند السيد (المتحرر) تتناغم تماما مع ضرورة حبسها في بيتها، إستنادا إلى نفس المنطق الذي يدعو إلى توفير رعاية صحية جيدة للحيوانات الأليفة والعبيد والجواري والرأفة بهم. من المستحيل أن يقبل الفرد منطق العبودية ولا يقبل منطق معاملة المرأة كالحيوان الأليف، وهذا السبيل إلى الهيمنة بحكم الولاء الأيديولوجي المسبق هو ما يشير إليه السيد (المتحرر) مستنكرا (أاو ليس هذا ما يتمناه كل مسلم). وبإمكانك يا عزيزي القاريء أن تستبدل كلمة (مسلم) بكلمة (ثوري) أو (وطني حر) أو (إصلاحي) إلي أخر قائمة شركاء الإستبداد الأيديولوجي.


2007-10-22

تكملة: حوار حول صمت جمعة عتيقة والمعارضين الزلطة

نشرت براكة (ليبيا اليوم) مؤخرا قصيدة بكائية للسيد د. جمعة عتيقة، قال أنه كان قد حررها في سجن أبو سليم بمناسبة حلول خامس عيد في فترة سجنه. وظل نواح عتيقة صامتا إلى أن سأل أحد القراء عن مواقف السيد الشاعر وتفاصيل صفقاته التي عقدها في الظلام مع العصابة الحاكمة، والتي بموجبها تم تعيينه بوابا لمغازة سيف باته للصدقات المسروقة، ومن خلالها إرتبط داعية حقوق الإنسان إرتباطا عضويا بالمؤسسة الإجرامية التي تنتهك ذات الحقوق، وهو إرتباط أسقط عنه الإستقلالية والتأهيل الأخلاقي لرعاية حقوق الإنسان. الأمين السابق للكيان الدعائي المسمى--إهانة للعقل--جمعية حقوق الإنسان التابعة لمؤسسة القذافي يعرف جيدا أن المسؤول الأول عن إنتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا هو معمر القذافي، لأن المسؤولية الأساسية عن حقوق الإنسان هي المسؤولية الأخلاقية والتي لا يعقل أن يتم تجاهلها و تجاوزها إلى المسؤولية الإدارية والتنفيذية. ولكن السيد الأمين آثر أن يتغاضى عن البعد الأخلاقي ليصبح من أبرز الشخصيات التي ساهمت وتساهم في خلق وهم الإصلاح عند الليبيين، ذلك الوهم الذي يراد منه تغطية التنازل عن مسؤولية معمر القذافي على الخراب، تنازل بالوكالة، تقدمه رموز مصنعة (مثل عتيقة)، إلى جانب الرموز المصطنعة مثل بويصير وبوزعكوك وصلاح الشلوي، وغيرهم من فرق المعارضين الزلطة.

عتيقة (ومن بعده خباز الضلال طرنيش) يريد أن يوهم الليبيين بأن المسؤول الأول عن _رعاية_ حقوق الإنسان في ليبيا هو الآخر قذافي، ولكن قذافيهم ورث من الصفاقة ما يجعله يملي على الليبيين حدود حقوقهم ويرسم لها خطوطا حمراء لتحصين أبيه المدان في عدة جرائم ضد الإنسانية والفاقد لأدنى المؤهلات الأخلاقية لقيادة حتى كاراطون ناهيك عن قيادة دولة. وصفاقة القذافي الإبن، إضافة إلى إجرامية موكله، لا تشكل أي عائق أخلاقي للسيد عتيقة --المحامي--وأمثاله ولا تعرقل سعيهم لخدمة القذافي الأول والثاني والثالث...إلخ، بحجة أن تعاميهم عن المسؤولية الأخلاقية يعود بفوائد مادية شخصية (محدودة المدى) على بعض السجناء أو غيرهم من المتضررين. في عرفهم يجوز التصدق بالمسروقات، وفي الأعراف التي تحترم الحقوق لا يجوز حتى شراء المسروقات. فأنى لمن يجتاح حرمة الحقوق بمنطق (روبن هود) أن يفقه معنى المسؤولية الأخلاقية وأولويتها؟

من خلال موقعه (وبدفع رغبته في الظهور) خدم السيد عتيقة الحملة الدعائية التي قادها سيف القذافي لتجميل صورة أبيه أمام المنظمات الخارجية، تلك التي ترعى حقوق الإنسان بدون إرتباط عضوي بالمنظمات الإجرامية التي تنتهكها. فانطلقت حملة (لا للتعذيب) ثم اختفت، وانطلق موقع على الشبكة يناشد الليبيين أن يبلغوا على حالات إنتهاك الحقوق، ثم اختفى هو الآخر، وكانت طبعا مسرحية زيارات السجون التي لعب فيها عتيقة الدور الرئيسي، والتي ركزت جل انتباهها على حالة المراحيض والتدفئة التي توفرها الدولة للمساجين الإجراميين، ولم تتطرق مسرحية عتيقة للمساجين السياسيين لا من بعيد ولا من قريب. وهكذا، عتيقة لعب دوره في حملة مؤقتة لم تؤدي غرضها بالكامل وفشلت جميع عروضه في إقناع منظمة (أمنستي) عند زيارتها لليبيا بعد منعها من الدخول لمدة طويلة، وهي الزيارة التي عقدت عليها عصابة سيف القذافي الأمل وحصدت منها الخيبة فقط. وبذلك الشكل انتهت مهمة عتيقة وانتهت صلاحيته، فما كان من العصابة إلا أن تزيحه من على خشبة المسرح وتكافئه بإجازة مطولة في بريطانيا، قالوا أنها بعثة دراسية لطالب أشرف على سن التقاعد. ولكن لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، فمن لا يخجل من تزكية لصوص السلطة لرعاية الحقوق، لا نظن أنه سيخجل من تسمية كراءه بعثة دراسية.

وبعد التعليق الأول على بكائية عتيقة، إنطلقت أقلام بعض المعلقين لترد بأغبى الردود التي لا تستند لأي شيء من العقل، ولا تملك شعرة من الموضوعية والتحليل المنطقي، وأقل ما يقال عنها أنها مجرد قوادة فاضية ينفرد الليبيون بإتقانها. مثلا، أتحفنا أحد المعلقين بما سماه شهادة في حق السيد عتيقة، وهي إشارة إلى دور السيد عتيقة في تنظيم مظاهرات ضد الحكم الملكي عندما كان طالبا بمدرسة طرابلس الثانوية. لتوضيح ملائمة هذه الشهادة ومعناها العملي، نذكر القراء أن العهد الملكي إنتهى منذ ما يقارب الأربعين عاما، أي أن الشاهد لم يجد ما يستشهد به في ثلثي عمر عتيقة الأخيرين، ولا في عمله في مغازة القذافي، فذهب ينقب في مرحلة ما قبل التاريخ! وهذا ما يسميه الأمريكان (ربت بقفا اليد)، أو كما يقول الليبيون: سألوا البغل عن أبيه فأجاب بأن خاله حصان! يا سلام يا سلام! وهذا المعلق الفذ هو أيضا واحد من كتاب براكة (ليبيا اليوم) وينتمي إلى ما يسمونه الليبيون (النخبة).

لفت إنتباهنا تعليق بإمضاء (نور الدين السيد الشريف)، وهو أحد الإصلاحجية الذين تعودنا على قراءة تعليقاتهم العاطفية في براكة (ليبيا اليوم)، والتي تبين منها أنه سجين سابق هو الآخر، وأن العصابة خدعته واستدرجته إلى ليبيا ثم رمته في السجن ومكث هناك حتى بعد ما يسمى (أصبح الصبح، نراكم في العرض القادم). وفي ضوء هذه الحقائق، لن نتفاجأ إذا سمعنا عن تكريم السيد الشريف ببعثة دراسية هو الآخر. الغريب في الآمر أن كل من جنت عليه (أو ضحكت عليه) عصابة القذافي يسمى وقوعه في المقلب (نضال) و (تضحية)! نضال من وتضحية من، فهل كان لكم خيار فيما كسبتم؟ هؤلاء العينات يشوهون معنى المعارضة، لأنهم في الحقيقة مجرد ضحايا عمليات إجرامية، وأفضل تصنيف لهم هو (المعارضون الزلطة) لأنهم عملة منتهية الصلاحية يروجها سيف القذافي وأعوانه ليوهم بها الرعاع أن هناك حرية ومعارضة، ويستغل مظهرهم النيابي في ترويج مشروع التنازل الصامت عن مسؤولية معمر القذافي كرئيس عصابة إجرامية مدانة.

وفيما يلي ننقل لكم حوارنا مع السيد نور الدين الشريف، الذي نشرت براكة (ليبيا اليوم) أوله وعجزت عن نشر آخره.

هل سيعود الدكتور الى صفوف المعارضة فى الخارج؟
مواطن فضولي. | الخميس, 11 تشرين أول , 2007

نحن نعلم يادكتور بملابسات اعتقالك وعلى علم بالقضية التى ادت الى اعتقالك امنياً ولكننا نجهل حيثيات *الاتفاقية التى ابرمتها مع النظام والتى بصددها تم الافراج عنكم*.. نود معرفة تفاصيل الصفقة والمخطط الذى على ضوئه تم تعيينك المدير التنفيذى لجمعية سيف الخيرية وما ترتب على ذلك من اتعاب وتبعات كلفتك الكثير مما ادى الى تدنى صورتك ومكانتك السابقة التى عرفناها فى السبعينيات وفى الثمانينات اثناء تواجدك من ضمن صفوف المعارضة الوطنية. بالطبع لك الخيار يادكتور في تحديد وقت وزمن الاجابة ولكن لاتنسى ان هذا التسائل يحتاج الى اجاب

رد على الفضولى
نورالدين السيد الشريف | الجمعة, 12 تشرين أول , 2007

انا لست ادرى ما الذى يقصده الاخ الفضولى من وراء تسائله فيما يتعلق بملابسة قرار الافراج عن معتقل محكوم بالبرائة من قبل محكمة جنوب طرابلس . فمن المفترض ان يتم الافراج عن اعتيقة مباشرة بعد نطق الحكم ببرائته وليس بعد ان قضى سبع سنوات فى السجن وهو بريء . اين هى الصفقة يا فضولى ومن الذى يفترض ان يبرمها مع الاخر .. ارجو ان تراجع حساباتك يا اخى وان تتبين قبل ان تطلق العنان لتهم فارغة من اساسها.

الصمت اللا منطقي والمعارضون الزلطة
ضمير مستتر | السبت, 13 تشرين أول , 2007

السيد نور الدين الشريف:

عذرا يا سيدي، ولكن المعلومات التي سقتها لا تعزز موقف السيد عتيقة على الإطلاق. إن الإفراج عن السيد عتيقة وأمثاله لا يختلففي جوهره عن الإستمرار في سجنهم بعد تبرئتهم من قبل ما تسميه (محكمة جنوب طرابلس)، فالإفراج مثل السجن تم بقرار دكتاتوري لم يخضع صانعه لأي مسائلة ولا حتى إشارة إلى الجهة المسؤولة. إذا، السيد عتيقة هو الوحيد الذي يملك القدرة على تمييز وضعه: هل هو ضحية عملية عشوائية أم أنه سجين مباديء؟ الذي تبين من أصبح الصبح وما شابهه من إنقلابات ذاتية للمؤسسة الإجرامية الليبية، أن السيد عتيقة وأمثاله كانوا سجناء بلا حقوق فأصبحوا طلقاء بلا مباديء، وهو مايجعلنا نطلق على هؤلاء السادة صفة (زلطة) لأنهم حقا عملة قديمة غير صالحة ولا تمت للمعارضة بأي صلة سوى صلة الشكل والمظهر. أين هي المباديء التي من أجلها سجنوا؟ هل سجن هؤلاء لأنهم يكتبون الشعر الركيك؟ لا ياسيدي، جميع القرائن والإدلاءات التي يقدمها عتيقة طواعية لا تدل على شيء سوى أن السجين السياسي سابقا تحول إلى موظف علاقات عامة ضمن نفس الجهاز الدكتاتوري الإرهابي الذي سجنه صامتا وأطلق سراحه صامتا.

لايعجبكم العجب ولا الصيام فى رجب
نورالدين السيد الشريف | الأحد, 14 تشرين أول , 2007

أبشع شيء هو ان نزايد بالوطنية على بعضنا البعض .ان ما ورد فى تعليقى على الاخ الفضولى عبارة عن تصحيح لملابسات ولوقائع هو على ما اعتقد انه بعيد عنها كل البعد .ثم انه ياأخى ياصاحب الضمير المستتر لماذا لاتفصح عن نفسك وتتحدث باسمك الحقيقى لكى نعرفك ثم نفهمك حتى نستطيع الرد عليك بللغة التى انت وامثالك يفهمها. النضال والتضحية فى سبيل الوطن ياسيد المستتر المغيب لن يفرضا على الوطنى الغيور ان يرتدى عبائة واحدة وزيى موحد بل ان السياسة هى فن الممكن ، وما هو ممكن ويخدم المصلحة الوطنية هو فى الحقيقة مأربنا ومغزانا ..نحن لانتخندق فى مكان واحد ونتمسك بمواقف شخصية ذاتية قد تخطاها عامل الزمن ولم تعد تخدم لب قضيتنا الوطنية التى من المفترض اننا قد جردنا ذاتنا فيها منذ زمن طويل . ثم ان ما قدمه الاستاذ جمعة وغيره من ابناء الوطن المخلصين من انجازات فى صراعهم من اجل الاصلاح فى الداخل يشهد به القاصي والداني واولهم السجناء السياسيين الذين تم الافراج عنهم بمساعى وجهود هؤلاء الرجال بطريقة او باخرى .ألم يكن هذا من ضمن المكاسب التى يشهد لهم بها على صعيد القضية الوطنية ،أم ان فاقد الشيء لا ولن يعطيه .اننى اخشى ان يكون هذا هو الحسد بعينه .


وإليكم الرد الذي حجبته براكة (ليبي اليوم) عن القراء:

السيد نور الدين الشريف:

لا أدري ما دفعك من جانبي إلى النهي عن المزايدة بالوطنية، هل لأنني أبديت رأيا حول أعمال السيد عتيقة وأمثاله؟ لا أدري كيف يصبح الرأي مزايدة إذا لم يزج فيه صاحبه أي خواص شخصية. وفي نفس السياق، لا أفهم على الإطلاق كيف أن إسم صاحب الرأي يشكل ضرورة من ضروريات فهم الرأي والتفاعل معه. على كل حال يا سيدي، أنا لست مرشحا لشغل منصب عام، ولا أسعى إلى إستقطاب المصوتين ولا إستعطاف المجرمين. رد علي بما تشاء وأصدق مع نفسك ولا تهتم بتلوين لغتك حسب المتلقي.

العباءة مجرد قشرة وغلاف، لا ضير في تبديلها وتنظيفها بين الحين والآخر، ولكن حديثنا يدور حول المباديء التي إفترضنا أنها كانت سببا جوهريا في سجن السيد عتيقة وغيره. وقد أكدت أنت ما تبين من أسباب سجنهم بقولك، (نحن لانتخندق فى مكان واحد ونتمسك بمواقف شخصية ذاتية)، وهذا إعتراف بأن المواقف التي تغيرت كانت مواقف شخصية لا تتعلق بالحق العام، وربما يكون الأمر كذلك بلغة الإصلاحجية ولكنها لغة لا تختلف كثيرا عن لغة السجانين. أنا قلت أن السيد عتيقة يملك القدرة على الفصل بين كونه ضحية عشوائية غير متميزه وكونه ضحية مستهدفة ومنتقاة بناء على مباديء ومواقف وقدرات تشكل خطرا على سلامة المنظومة الإجرامية في ليبيا. ولكنك ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير حين وصفت المواقف السابقة بأنها شخصية ثم أضفت أن دور السيد عتيقة اللاحق كان دورا سياسيا (أو فنيا بحكم أن السياسة فن الممكن). ولكن الثابت من الأمر أن السيدة عتيقة ترك عبائته القديمة ليمارس دور يسمى حقوقي، وليس سياسي، وليمارس دوره من داخل سياج العصابة المتسلطة، وليس مستقلا عنها. الحقوق يا سيدي لاتتلون ولا تقع في دائرة الفنون ولا يمكن أن تأتي بتحيكم الخصم وإستجداء العطايا والمزايا والخضوع لإرادة بلا حسيب.

أين هي أعمال السيد عتيقة التي تتحدث عنها؟ أين التوثيق؟ أين الأدلة على دوره في إطلاق سراح السجناء، وأي سجناء؟ السيد عتيقة يجب ألا يقبل أن يكون سمسار حقوق يعقد الصفقات بدون إشهار. دور السيد عتيقة الموثق هو ما قدمه من خلال تقريرات تصدرها جمعية خيرية حول ما يسمى حقوق الإنسان، وهذا النشاز الفكري مرده أن الحقوق تأتي من باب الصدقات في العرف الإصلاحجي الجديد الذي يقول أن الأب مدينة الرحمة، والإبن بابها، والسجين السابق بوابها. أي أعمال تدور خلف الأبواب تحسب في خانة الصفقات الخفية ولا تعد أبدا أعمال للصالح العام، لأن الصالح العام يقتضي الشفافية بالإشهار والتوثيق والمتابعة ولا يقتضي الشخصنة والواسطة والوصاية. الأعمال التي قام بها السيد عتيقة والتي تم إشهارها تدور جميعها داخل دائرة الإستجداء الإنتقائي، ولا تصل إلى الحد الأدني من المطالبة. أي نضال الذي تتحدث عنه؟ هل هي زياراته للسجون وتقريراته عن حالة المراحيض والتدفئة؟ قارن بين تلك التقارير وبين تقرير منظمة هيومان رايتس واتش لسجون النساء في ليبيا، وهناك سترى الفرق بين الحديث عن حقوق الإنسان وبين الدعاية لصالح حكومة الظل وتغليف الحقيقة. أين تقارير عتيقة وجمعية القذافي عن فتحي الجهمي وعبد الرازق المنصوري وضيف الغزال وإدريس بوفايد وأحداث بنغازي؟ لم يستطع السيد عتيقة حتى أن يذكر الجهمي في تقاريره ولا في دعاياته المبرمجة على هذه الصفحة. أين مواقف عتيقة من مسرحية إقرارات الشفافية، وأين موقفه من سلب الحقوق المتمثل في تعيين إبن القذافي مستشار الأمن القومي وتعيين إبنه الآخر شريكا في مشروع بوكماش، وتعيين القذافي نفسه خطا أحمرا فوق المحاسبة وفوق القانون؟ وأين وأين وأين. الدور الوحيد الذي أشهره السيد عتيقه بخصوص السجناء كان دوره في مسرحية محاكمة سجناء الإخوان، وكان ذلك بشهادته على هذه الصفحة بنزاهة المحكمة قبل أن تصدر حكمها بتجريمهم، والإفراج عنهم تم بموجب صفقة ظلامية لا تشكل سابقة قانونية ولا ترسي المسؤولية ولا تلزم العصابة الحاكمة ولا تخدم الصالح العام بأي شكل من الأشكال.

الخلاصة يا سيدي أن السيد عتيقة--في نظري--لعب دوره في مسرحية لم تلتفت إلى مصالح الليبيين ولا مطالبهم على الإطلاق. الضغوط الخارجية في آخر الثمانينات هي التي أدت إلى إخراج ما تسمونه (الوثيقة الخضراء الكبرى...) وإلى مهزلة (أصبح الصبح)، ومن بعد أدت الضغوط الخارجية إلى إستحداث جمعية الصدقات وتنصيب السيد عتيقة عليها ليبلغ الزوار بالنيابة عن تسامح الليبيين وطي صفحة الماضي والتلونات التي تسميها فن الممكن. ولكن لم يكن من الممكن تغطية الشمس بالغربال، ولم تنجح جهود سيف وعملائه في تزييف الحقيقة أمام الزوار الأجانب وأتت رياح (آمنستي) بما لم تشتهيه سفينة الإصلاحجية، فخرجوا بعويلهم المعهود. ومنذ ذلك الحين إنتهت صلاحية السيد عتيقة فتم إستبداله بخباز آخر مخصص للإستهلاك المحلي. هل هذا وضع يحسد عليه أحد؟ ربما في صفوف الإصلاحجية يحسدون بعضهم بعضا على هكذا أوضاع وعلى الفوز بمنحة دراسية في خريف العمر، أما نحن (المغيبون) كما تكرمت، أو بالأصح المستقلون عن حظيرة القذافي، فلا نرى في وضع السيد عتيقة ما يحسد عليه، لا من الجانب المادي ولا من الجانب الأخلاقي.


وإلى المعلقين الذين لا يملكون ما يمكنهم من الحوار نقول: شكرا على تعليقاتكم. نتمنى أن تكونوا قريبا قادرين على نقاش الأفكار التي تلي الأسماء. الآن أنتم أكملتم السطر الأول--مبروك--وأمامكم مجال كبير للتقدم.

--ضمير مستتر
http://mindamir.blogspot.com/



2007-09-20

وراثة وعدوى الأخلاق في ثقافة الـ آل والرفاق

نشرت اليوم وكالة الصحافة الفرنسية خبرا مفاده أن الحكومة الليبية أصدرت قرارا بحظر (الأجانب) من التعليم والعلاج مجانا، وقالت الوكالة أن الحظر على الأجانب يشمل أبناء الليبيات المتزوجات من غير الليبيين، كما أضافت أن هذا التشريع يأتي في ظل ما تدعيه الدولة الليبية من إلتزام بمساواة الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. يا سلام! وهكذا يملك الرجل الليبي حق تعليم وعلاج أبناءه مجانا ولكن المرأة الليبية لا إعتبار لها على الإطلاق ولا أثر. أبناء الرجل لهم حقوق، بغض النظر إلي جنسية أمهم، أما أبناء المرأة الليبية فليس لهم حقوق إلا بموجب جنسية أبيهم. وفي المجتمع الليبي المتخلف، سواء داخل أو خارج ليبيا، لا تثير هذة الأمور أي شجب يذكر، لأن المجتمع الليبي مجمتمع بدائي غير ناضج عقليا. لذلك لا يغضب الليبيون إذا قيل لهم أن أمهاتهم كائنات حقيرة، مثلما يقول لهم هذا القانون، ولكنهم يغضبوا إذا قيل لهم أن والدهم متزوج من كلبة.

الليبية لا تورث جنسيتها لأبناءها، أما الرجل الليبي يورثهم ولو كانت أمهم غير ليبية. هذه الصفاقة القانونية لا تأتي من فراغ، بل هي متجذرة في أعماق التاماللي الثقافي الليبي منذ القدم، وهي متجانسة تماما مع التشريعات الإسلامية المعادية للمرأة باعتبارها ناقصة عقل ودين ولا أهلية لها إلا بحكم أنها زوجة فولان أو أم علان.

ونشرت أمس براكة (ليبيا اليوم) خبرا ذا علاقة، وهذا نصه

مصادر مطلعة تشيد بتعيين نجل أحد رجالات عمر المختار رئيساً لمكتب العمارة للاستشارات الهندسية

19/09/2007

بنغازي- (خاص) ليبيا اليوم
أشادت مصادر مطلعة في تصريحات خاصة لصحيفة (ليبيا اليوم) الأربعاء بالخطوة التي أقدمت عليها اللجنة الشعبية العامة بشأن تعيين المهندس عبدالله مصطفى بن عامر رئيساً لمكتب العمارة للاستشارات الهندسية.
وقالت المصادر إن تعيين عبدالله بن عامر خطوة للحد من الفساد في هذا المكتب الذي تعتمد عليه الكثير من أجهزة المرافق.
كما أشادت المصادر بنزاهة بن عامر، واعتبرته من الشخصيات التي يشار بها بنظافة الذمة المالية.
ويعد مصطفى بن عامر من أبرز الشخصيات الوطنية الليبية، وأحد رجالات جمعية عمر المختار. ولم تكشف اللجنة الشعبية العامة عن القرار.
يذكر أن مصادر مطلعة كشفت لصحيفة (ليبيا اليوم) قبل أيام عن إقالة عدد من مديري المكاتب الاستشارية الهندسية على صلة بالفساد.

وقد أرسلت لهم التعليق التالي، ولكنهم لم يتكرموا بنشره.
عنوان التعليق: الأخلاق تكتسب ولا تورث بيولوجيا يا أمة الـ آل

التعليق:

أعزائنا في براكة ليبيا اليوم:

ما علاقة تعيين السيد بن عامر بوالده وأجداده وتركيبته الوراثية الجينية؟ لا تفهموا أنني أطعن في أخلاق السيد الإبن ولا أنني أنزه بالضرورة السيد الأب. ما هي العلاقة بين مؤهلات السيد الإبن وبين سلالته البيولوجية من جهة الأب؟ هل تظنون أنكم بعملكم هذا تساهمون في إصلاح مفاسد القبلية وما قد نصطلح له إسم (النجلية) فهذا نجل العقيد وذلك نجل أحد رجالات جمعية عمر المختار، ووين وذنك يا جحي! ما هذا التخلف والإصرار على التمسك بقيم أبادها الفشل. ثم إذا كنتم فعلا مصدقين لخرافة بيولوجية الأخلاق والكفاءة المهنية، لماذا لم تتكرموا بذكر نصف بيولوجية السيد بن عامر الإبن؟ هل أنجبه والده بدون أم؟ ألا تعلمون أيها (البيو-أخلاقيون) أن المولود يرث نصف جيناته من أمه؟ أم أن لكم نظرية أخرى تقول أن مساهمة الأب تساوي ضعف مساهمة الأم، مثلا؟ قبل أن تحدثونا عن إصلاحكم يا أمة الآل، أصلحوا معاييركم التي لاتنتمي لعالم اليوم، ولا حتى عالم القرن الثامن عشر. يجب عليكم أن تعتذروا على إهانة والدة السيد بن عامر، كما يجب عليكم أن تعترفوا بأن مفهومكم للأخلاق لا يختلف كثيرا عن المنطق الذي تأسس عليه قانون عقوبة الجماعة الذي يسمى (ميثاق الشرف)، ولعلكم لا تغفلون معنى (الشريف) في القاموس البيو-أخلاقي.

2007-09-19

جديد: الليبيون ليسوا حمقى

السادة أعضاء إدارة موقع (المنارة)، بعد التحية.

لقد حاولت أن أرسل التعليق أدناه على مقالة السيد عبد الله الوافي حول مصداقية تصريحات المخرج السوري (نجدت انزور) الذي وعد فيها بترجمة برنامجه (سقف العالم) إلى لغات العالم وتوزيعه في الدول الغربية، إلخ. ولكن نموذج الرد في موقعكم لم يعمل معي. لذلك أرجوكم أن تنشروا تعليقي طبقا للمواصفات التالية:


الإسم: ضمير مستتر

البلد: بحري مالطا

الموضوع: قال لك ترجمة ودعاية عالمية

نص الرسالة:

صحيح كلام الكاتب. الليبيون لا يصدقون الحماقة ولا يقبلونها، ولا يمشن عليهم الكواراطين في عز القايلة.

ويا سيد نجدت: شنو دوتك أنت، ما سمعتشو؟ ليبيا دولة (عظمى) مش من دون، وفيها (يحكم الشعب نفسه بنفسه)، وليس إلا من محض الصدف أن المتحكمين في أمنها القومي، وإقتصادها، وسياستها الخارجية، وسبل إتصالها، وإعلامها، ورياضتها، وجمعياتها الخيرية... جميع هؤلاء ينتمون لنفس العائلة، صحيح، ولكنها عائلة (محرومة من الثروة) في مصادفة مؤقتة--يعني مجرد ثلاثين أو أربعين سنة بس، وفي أي يوم يمكن أن الشعب الليبي الذكي--كب كركب--ينصب غيرهم ويحرمهم هم الآخرين من الثروة. عادي جدا، آهو الوافي مستعد يخبرك. ولعلمك يا سيد نجدت، ليس من بين وجهائنا وأعياننا الخطيرين من لا يستحق لقب (االمهندس) و (القائد الملهم) و (الدكتورة) أيضا. هل يعتقد السيد نجدت أن كذبة ترجمة المسلسل إلى لغات العالم ستنطلي على الليبيين؟ إيّح إيّح! نحن الليبيون نعلم جيدا أن مثل هذا العمل (العظيم) لا يمكن أن يتحقق إلا إذا وقفت عليه الكفاءات الجبارة. ومن أين لك يا سيد نجدت بكفاءة مثل (الدكتورة) عائشة التي ترجمت الكتاب الأخضر إلى لغات العالم، ورعت تسويقه أيضا فانتشر في كافة أنحاء المعمورة وأدرج في المناهج الدراسية الرسمية في شتى المدارس والمعاهد والجامعات، وهاهي عوائده المالية أصبحت وسيلة لإدخال البهجة لقلوب الفقراء والمساكين من الليبيين داخل وخارج ليبيا. وهذه ليست وعودا معسولة، بل إنجازات موثقة، تمت مراجعاتها بشفافية كاملة قبل إشهارها في صحافتنا الزقطية. كلا يا سيد نجدت، الليبيون أصحاب خبرة عريقة موثقة، وليسوا أغبياء، مجرد لعب أدوار بقدرات فائقة، ليس إلا.

شكرا مرة أخرى للكاتب فقد أجاد حقا في تسليط الضوء على حيوية الوعي الليبي الفعال (العظيم). يا ودي راك وفيت يا وافي.

-----------------------------
ملاحظة لقراء الديوان: أرسل هذا التعليق مباشرة للسيد الوافي.

2007-08-29

رسائل من الأرض-٣



" من لا يقرأ كتبا جيدة ليس له ميزة على من لا يستطيع قراءتها."


هذه ترجمة الرسالة الثالثة من سلسلة (رسائل من الأرض) للكاتب الأمريكي (مارك توين). يمكنكم الإطلاع على الأجزاء السابقة هنا وهنا. وللإطلاع على النص الأصلي بالإنجليزية، نحيلكم إلى الموقع التالي.


Letters From The Earth
by Mark Twain
© Harper & Row, 1962, 1974

_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/


الرسالة 3

لقد لاحظتم ان الكائن البشري مثير للفضول. في الماضي كانت لديه المئات والمئات من الأديان (أبادها وألقى بها بعيدا)؛ اليوم لديه المئات والمئات من الأديان، ويطلق ما لا يقل عن ثلاثة أديان جديدة كل سنة. أستطيع ان أضخم هذا العدد وأظل في داخل حدود الحقائق.

واحد من أهم أديانه يسمى المسيحية. سيثير إهتمامكم وصفه المقتضب. يتبين بالتفصيل في كتاب يحوي مليونى كلمة، يسمى العهد القديم والعهد الجديد. كما أن له إسم آخر -- كلام الله. فالمسيحي يعتقد أن كل كلمة فيه أملاها الله--ذلك الذي أتحدث عنه.

إنه مليء بالإثارة. فيه شعر نبيل؛ وبعض الخرافات الذكية؛ وبعض التاريخ الملطخ بالدم؛ وبعض الأخلاق الحميدة؛ وثروة من الفاحشة؛ وما يفوق الألف أكذوبة.

هذا المصحف بني أساسا من شظايا كتب أقدم، عاشت يومها وتداعت إلى الخراب. وهكذا فهو يفتقد الأصالة بشكل ملفت، بالضرورة. أهم وأعجب ثلاثة أو أربعة من أحداثه وقعت جميعها في كتب سابقة؛ وأفضل المباديء وقواعد السلوك التي فيه جاءت ايضا من هذه الكتب؛ ولا يوجد به سوى شيئين جديدين: جهنم واحدة، وتلك الجنة المفردة التي أخبرتكم عنها.

ماذا سنفعل؟ إذا إعتقدنا، مع هؤلاء الناس، أن إلهم إخترع هذه الاشياء القاسية، سنفتري عليه؛ وإذا إعتقدنا أن هؤلاء الناس إخترعوها بأنفسهم، سنفتري عليهم. إنها معضلة غير سارة في كلتا الحالتين، لأنه لم يلحقنا أي ضرر من كلا الجانبين.

من أجل السكينة، فلننحاز إلى جهة. فلنوحد قوانا مع الناس ونضع كل هذا العبء الفظ عليه-- الجنة وجهنم، والمصحف والجميع. قد لا يبد ذلك صائبا، ولا عادلا؛ ولكن عندما تضعون تلك الجنة في الإعتبار، وكيف أنها مشحونة بكل ما يثير الإشمئزاز لدى الإنسان، كيف نصدق أن إنسانا اخترعها؟ وعندما آتي على خبر جهنم، ستكون الوصمة أكبر وأكبر، وعلى الأرجح ستقولون كلا، الإنسان لا يمكن أن يأتي بذلك المكان، سواء لنفسه أو لأحد كان؛ أنه ببساطة لا يستطيع ذلك.

ذلك المصحف البريء يتحدث عن الخلق. خلق ماذا--الكون؟ نعم الكون. في ستة أيام!

الله فعل ذلك. ولم يطلق عليه إسم الكون -- ذلك الإسم حديث. كل إهتمامه إنصب على هذا العالم. شيده في خمسة أيام -- وبعد ذلك؟ استغرق يوما واحدا فقط لصنع عشرين مليون شمس وثمانين مليون كوكب!

وماذا كان الغرض منها-- وفقا لهذه الفكرة؟ لتقدم الضوء لهذا العويلم اللعبة. هذا كان كل غرضه؛ لم يكن له غيره. واحدة من العشرين مليون شمس (أصغر واحدة) لتضيئه في النهار، والباقي لمساعدة واحدة من أقمار الكون التي لا تحصى لتعدل ظلام لياليه.

يتضح تماما إعتقاده بأن سماءه البكر بذرت بالماس وتلك الجموع من النجوم المتلألئة لحظة غوص شمس أول أيامه تحت الأفق؛ بينما في الواقع، ولا نجم واحد غمز في ذلك القبو الأسود حتى ثلاث سنوات ونصف بعد أن كانت الصناعات الهائلة قد إكتملت في ذلك الأسبوع الذي لا ينسى.[*] ثم بدا نجم واحد، وحيد على إنفراد، وبدأ يرمش. بعد ذلك بثلاث سنوات ظهر نجم آخر. ورمش الإثنان معا لأكثر من أربع سنوات قبل ظهور ثالثهم. في نهاية المائة سنة الأولى لم يكن هناك خمسة وعشرون نجما يتلألأ في الخلاءات الشاسعة لتلك السموات الكئيبة. في نهاية الألف سنة لم يكن هناك من النجوم المرئية ما يكفي لتقديم عرض. وفي نهاية مليون سنة مجرد نصف طائفة الوقت الحاضر كانت قد أرسلت أضواءها على مدى الحدود التيليسكوبية، واستغرقت البقية مليون سنة أخرى لتحذو حذوها، كما تقول العبارة الركيكة. وبما أنه لا يوجد في ذلك الوقت أي تيليسكوب، لم يُشهد حلولها.

لمدة ثلاث مائة سنة، الآن، عرف عالم الفلك المسيحي أن إلهه لم يخلق النجوم في تلك الأيام الستة الهائلة؛ ولكن الفلكي المسيحي لا يتوسع بتلك الجزئية. ولا الكاهن.

في كتابه، الله بليغ في شكره لأعماله العظيمة، ويدعوها بأكبر الأسماء التي يمكن أن يجدها--مما يشير إلى أنه يملك إعجابا شديدا وعادلا بالضخامة؛ ولكنه خلق هذه الملايين من الشموس المذهلة لتضيء هذا الجرم الضئيل، بدلا من تعيين شمس هذا الجرم الصغيرة لترقص حاضرة عليهم. يذكر السماك الرامح {نجم يسمى أيضا حارس السماء}** في كتابه--أنتم تذكرون السماك الرامح؛ ذهبنا إلى هناك مرة. هو واحد من مصابيح ليل الأرض! -- تلك الكرة العملاقة، حجمها أكبر من شمس الأرض بخمسين ألف مرة، وتقارن بها كمقارنة البطيخة بالكاثدرائية.

ومع ذلك، لا تزال مدرسة يوم الأحد تعلم الطفل أن السماك الرامح انشيء ليساعد على إضاءة هذه الأرض، وينمو الطفل وطالما يظل مصدقا بعد أن يكتشف أن الإحتمالات تتعارض مع كونه كذلك.

حسب الكتاب وخدمه، الكون عمره ستة آلاف سنة فقط. لم يحدث إلا في المائة سنة الماضية أن عقولا مجتهدة مستفسرة وجدت أن عمره أقرب إلى مائة مليون سنة.

خلال الستة أيام، الله خلق الإنسان وسائر الحيوانات.

خلق رجلا وامرأة وأسكنهما حديقة سارة، مع سائر المخلوقات. عاشوا جميعا في وئام وقناعة وشباب مزدهر لبعض الوقت؛ ثم جائت المشاكل. كان الله قد حذر الرجل والمرأة أن لا يأكلا من ثمرة شجرة معينة. وأضاف ملاحظة من أغرب ما يكون: قال أنهما إذا أكلا منها ستكون موتهما مؤكدة. ملاحظة غريبة والسبب أنه طالما لم يسبق لهم أن يروا عينة من الموت، فلا يمكن أن يعرفوا ما كان يقصده. لا هو ولا أي إله آخر كان قادرا أن يجعل هؤلاء الاطفال الجهلة يفهمون المعنى المقصود، دون تقديم عينة. الكلمة المجردة لايمكن أن تعني لهم شيئا أكثر مما تعنيه لرضيع عمره أيام.

وحالا كان ثعبان يبحث عنهم سرا، وجاءهم يمشي مستقيما، مثلما كانت عادة الثعابين في تلك الأيام. قال الثعبان أن الثمرة المحرمة يمكن أن تملأ عقولهم الشاغرة بالمعرفة. فأكلوها، وكان ذلك أمرا طبيعيا، فالإنسان خلق متلهفا للمعرفة؛ بينما الكاهن، مثل الله، الذي يمثله ويقلده، جعل من إختصاصه منذ البدء أن يحول بينه وبين معرفة أي شيء مفيد.

آدم وحواء أكلا الثمرة المحرمة، وعلى الفور تدفق في رؤوسهم القاتمة ضوء عظيم. إنهم إكتسبوا المعرفة. أي معرفة -- المعرفة المفيدة؟ كلا -- فقط معرفة أن هناك شيء ما كالخير، وشيء ما كالشر، وكيف يعملوا الشر. لم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك من قبل. لذا كل أعمالهم حتى هذا الوقت كانت دون وصمة، دون لوم، دون مخالفة.

أما الآن يمكن أن يعملوا الشر-- ويعانوا من جراء ذلك؛ الآن حصلوا على ما تسميه الكنيسة مِلك لا يقدر بثمن، الحاسة الأخلاقية؛ تلك الحاسة التي تميز الإنسان عن الحيوان، وتضعه في أعلى مرتبة. بدلا من أدنى الوحوش -- أينما يفترض المرء أن يكون مكانه المناسب، لأنه دائما قذر الفكر ومذنب، والحيوان دائما نظيف الفكر وبريء. وذلك الترتيب شبيه بجعل ساعة لابد لها أن تخطأ أثمن من ساعة لايمكن أن تخطأ.

الكنيسة لا تزال تثمن العقل الأخلاقي كأنبل ما يملكه الإنسان، رغم أن الكنيسة تعلم أن الله رأى أنه سيئ بتميز وفعل كل ما باستطاعته وبطريقته المرتبكة ليمنع (أطفال الحديقة) السعداء من الحصول عليه.

جيد جدا، آدم وحواء الآن يعرفوا ما هو الشر، وكيف يعملوه. انهم يعرفون كيفية القيام بمختلف انواع السيئات، وبينها واحدة رئيسية-- الواحدة الرئيسية التي شغل الله بها فكره. وهي فن ولغز الجماع. بالنسبة لهم كان اكتشافا رائعا، وتوقفوا عن التسكع، وصوبوا نحوه كامل إنتباهم، أولئك الشباب المبتهجون المساكين!

في خضم إحدى هذه الإحتفالات سمعوا الله يمشي بين الشجيرات، كما كانت عادته بعد الظهر، وصعقهم الخوف. لماذا؟ لأنهم كانوا عراة. لم يعرفوا ذلك من قبل. لم يتضايقوا من قبل، ولا الله.

في تلك اللحظة التي لا تنسى ولد التكبر؛ ومن الناس من عظم شأنه منذ ذلك الحين، رغم أن تفسيره من المؤكد أن يحيرهم.

آدم وحواء دخلوا إلى العالم عراة وبلا حياء-- عراة بفكر نقي؛ ولا أحد من سلالتهم دخله يوما بخلاف ذلك. الجميع دخلوه عراة بلا حياء، نظيفة عقولهم. دخلوه بتواضع. كان عليهم أن يكتسبوا التكبر والعقل المتسخ؛ ولم تكن هناك طريقة اخرى للحصول عليه. أول واجبات الأم المسيحية أن توسخ عقل طفلها، و هي لا تهمل هذا الواجب. ويكبر فتاها ليكون مبشرا، ويذهب إلى البدائيين الأبرياء والمتحضرين اليابانيين، ويوسخ عقولهم. عندئذ يعتمدوا التكبر، يخفوا أجسامهم، ويتوقفوا عن الاستحمام معا في العراء.

العرف المسمى بالخطأ إحتشام ليس له معيار واحد، ولا يمكن أن يكون له، لأنه معارض للطبيعة والعقل، وبالتالي فهو إصطناع يخضع لهوى أي شخص، الهوى المريض لأي شخص. وهكذا، في الهند السيدة الراقية تغطي وجهها وصدرها وتترك ساقيها عارية من الأوراك فما أسفل، في حين تغطي الأوروبية الراقية ساقيها وتكشف عن وجهها وثدييها. في الأراضي التي يقطنها البدائيون الابرياء، الاوروبية الراقية سرعان ما تتعود على العراء المحلي الصارخ البالغ أشده، وتتوقف مهانته عندها. كاونت وكونتيسا فرنسيان، على ثقافة عالية، وبدون علاقة تربطهما، تحطمت بهما سفينة وألقت بهما على جزيرة غير مأهولة في القرن الثامن عشر، أصبحوا عراة على عجل. وشعروا بالخجل أيضا--لمدة أسبوع. بعد ذلك، لم يضايقهم عرائهم، وسرعان ما توقفوا عن التفكير فيه.

انتم لم تروا أبدا أي شخص في ملابس. آه، حسنا، لم تخسروا شيئا.

لنمضي مع فضوليات المصحف. ستظنون طبعا أن التهديد بمعاقبة آدم وحواء على العصيان لم ينفذ، لأنهم لم يخلقوا أنفسهم، ولا طبيعتهم ولا تهورهم ولا نقاط ضعفهم، وبالتالي لم يصح إخضاعهم لأوامر أحد، وهم ليس مدينين لأحد بالمسؤولية عن أعمالهم. سيفاجئكم أن تعلموا أن التهديد تم تنفيذه. آدم وحواء نالوا عقابهم، وتلك الجريمة تجد لها مدافعين إلى يومنا هذا. الحكم بالإعدام تم تنفيذه.

وكما ترون، إن المسؤول الوحيد عن مخالفة الزوجين نجا؛ ولم ينج فحسب بل أصبح جلاد الأبرياء.

في بلدكم وبلدي يجب أن يكون لنا شرف السخر من هذا النوع من الأخلاق، ولكن ذلك سيكون قاسيا هنا. كثير من هؤلاء الناس يملكون قدرة العقل، ولكن أحدا لا يستخدمها في الأمور الدينية.

أفضل العقول ستقول لكم أنه عندما ينجب رجل طفلا فهو ملزم له خلقيا برقيق العناية، وبحمايته من الأذى، وبوقايته من الأمراض، وبالملبس والمأكل، وبتحمل شذوذه، وبألا يضع عليه يدا إلا بلطف ولصالحه، وألا يلحق به قسوة مستهترة في أي حال من الأحوال. معاملة الله لأبنائه الأرضيين، في كل يوم وكل ليلة، هي بالضبط عكس ذلك كله، ولكن تلك العقول الفاضلة تبرر هذه الجرائم بحرارة، تتغاضى عنها وتعذرها، وترفض بسخط أن تنظر إليها كجرائم على الإطلاق، عندما يرتكبها هو. بلدكم وبلدي مكان مثير، ولكن ليس هناك ما يساوي حتى نصف مثارة العقل البشري.

جيد جدا، نفى الله آدم وحواء من الجنة، وفي نهاية المطاف إغتالهم. كل ذلك بسبب عصيان أمر ليس له حق إصداره. لكنه لم يتوقف عند هذا الحد، كما سترون. عنده شريعة لنفسه، وأخرى مختلفة تماما لأولاده. وهو يأمر أولاده بالتعامل بإنصاف -- برفق -- مع المخالفين، ويغفر لهم سبع وسبعين مرة؛ في حين أنه لا يتعامل بعدالة ولا برفق مع أحد، ولم يغفر لأول زوج من الأحداث الجاهلين حتى أول مخالفة صغيرة، ولم يقل: "إذهبوا فأنتم طلقاء هذه المرة، سأعطيكم فرصة أخرى."

على العكس! إختار أن يعاقب أبنائهم، عبر جميع العصور حتى نهاية الزمن، على مخالفة عابثة إرتكبها آخرون قبل أن يولدوا. ولا زال يعاقبهم. بأساليب معتدلة؟ كلا، بأساليب بشعة.

أنتم لن تفترضوا أن هذا النوع من الكائنات يتلقى الكثير من الإشادة. أزيحوا الوهم عنكم: العالم يدعوه بأسماء العادل، الصالح، الخير، الرحيم، الغفور، الصادق، المحب، ومصدر كل الأخلاق. هذه التهكمات تقال يوميا، في كل أنحاء العالم. ولكن ليس كتهكمات إرادية. لا، إنها تطلق بجدية: تقال دون إبتسامة.

----------------------------------------
* ملاحظة: ضوء أقرب نجم (61 سيغني) يستغرق ثلاث سنوات ونصف السنة ليصل إلى الأرض، مسرعا بمعدل 186 ألف ميل في الثانية. السماك الرامح كان مشرقا 200 سنة قبل أن تصبح رؤيته ممكنة من الأرض. النجوم الأبعد أصبحت واضحة للعيان تدريجيا بعد آلاف وآلاف السنين. -- المحرر [م. ت.]

** ملاحظات المترجم تضاف {بين معكوفين} وباللون الأحمر.

2007-08-20

رسائل من الأرض-٢

"إذهب إلى الجنة من أجل الطقس، وإلى جهنم من أجل الصّحبة."


هذه ترجمة الرسالة الثانية من (رسائل من الأرض) للكاتب الأمريكي (مارك توين). يمكنكم الإطلاع على ترجمة الأجزاء السابقة هنا. وللإطلاع على النص الأصلي بالإنجليزية، نحيلكم إلى الموقع التالي.


Letters From The Earth
by Mark Twain
© Harper & Row, 1962, 1974

/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_


الرسالة 2

"لم أقل لكم شيئا ليس صحيحا عن الإنسان". ولابد من عفوكم إذا أنا كررت هذه الملاحظة بين الحين والآخر في هذه الرسائل؛ أريدكم أن تأخذوا ما أقوله لكم بجدية، وأنا أشعر أنني لو كنت في مكانكم وأنتم في مكاني، لكنت في حاجة لهذا التذكير من وقت إلى آخر، حفاظا على تصديقي من الوهن.

فما من شيء عن الإنسان إلا يكون غريبا على الخالدين. لا ينظر لأي شيء بمثل نظرتنا، شعوره بالتناسب يختلف تماما عن شعورنا، وإحساسه بالقيم يتباين مع إحساسنا إلى درجة أنه، وبكل ما نملك من قدرات عقلية كبيرة، لا يحتمل حتى لأكثرنا موهبة أن يكون أبدا قادرا على فهمه.

فعلى سبيل المثال، خذ هذه العينه: لقد تخيل جنة، وترك خارجها تماما ذروة مسراته جميعا، النشوة التي تتواجد أولا وقبل كل شيء في قلب كل فرد من جنسه--وفي قلوبنا-- الجماع!

وكأن شخصا تائها في صحراء لافحة يقول له منقذه أن يختار من الأشياء كل ما يتمناه إلا واحدا، فيترك الماء!

جنته شبيهة به: غريبة، مثيرة للإهتمام، مدهشة، قبيحة. أقول لكم، ليس لها سمة واحدة من السمات التي يقدسها في الواقع. فهي تتألف -- حرفيا وكليا -- من ملاه لا يعيرها أي إهتمام، هنا في الارض، ولكنه متأكد تماما أنه سيحبها في الجنة. أليس هذا غريبا؟ أليس مثيرا؟ لا تظنون أني مبالغا، لأنني لست كذلك. سأوافيكم بالتفاصيل.

معظم الناس لا يغنون، معظم الناس لا يستطيعوا أن يغنوا، ومعظم الناس لا يمكثوا عندما يغني الآخرون إذا إستمر الغناء أكثر من ساعتين. لاحظوا ذلك.

حوالي إثنين في المئة من بني الإنسان يستطيعوا أن يعزفوا على آلة موسيقية، ودون الأربعة في المئة لديهم أي رغبة في التعلم. سجلوا ذلك.

كثير من الناس يصلون، وليس كثير منهم من يرغب في ذلك. قليل من يطيل الصلاة، والآخرون يختصروا الطريق.

المراودون للكنيسة أكثر ممن يرغبون الذهاب.

عند كل تسعة واربعين من خمسين إنسان يوم (السبت) (يوم التعبد) ملل كئيب، كئيب.

من جمع المصلين في الكنيسة يوم الأحد، الثلثان يصابوا بالملل في منتصف الصلاة، والباقي قبل نهايتها.

أسعد لحظة بالنسبة لهم هي عندما يرفع الإمام يديه للدعاء. عندها يمكنك سماع حفيف الإستراحة الخافت يجتاح البيت، وتدرك شاكرا أنه بليغ.

جميع الأمم تحتقر سائر الأمم.

جميع الأمم تكره سائر الأمم.

جميع أمم البيض يحتقرون جميع أمم الملونين، بأي طيف كان، ويقهرونهم ما استطاعوا.

الإنسان الأبيض لا يرافق "الزنوج" (العبيد) ولا يتزوج منهم.

لا يسمحون لهم بدخول مدارسهم وكنائسهم.

العالم كله يكره اليهودي، ولا يتحملوه إلا إذا كان ثريا.

أطلب منكم أن تلاحظوا جميع تلك التفاصيل.

مزيدا، كل شخص عاقل يمقت الضجيج.

جميع الناس، العاقلين أو المجانين، يرغبون في التنوع في حياتهم. الرتابة تنهكهم بسرعة.

كل إنسان، وفقا للمعدات العقلية التي وقعت في نصيبه، يعمل عقله دائما، دونما توقف، وهذا النشاط يشكل جزءا واسعا وجوهريا في حياته. أدنى عقل، مثل أسمى عقل، يملك مهارة من نوع ما ويتلذذ بتجريبها، بإثباتها وإتقانها. العابث المتفوق على أقرانه في اللعب لا يقل حرصا ولا تحمسا في ممارساته عن النحات، أو الرسام، أو عازف البيانو، أو عالم الرياضيات، أو غيرهم. لا يمكن أن يكون أحدهم سعيدا إذا وضعت موهبته تحت التحريم.

إذن، الأن لديكم الحقائق. تعلمون ما يتمتع به الجنس البشري وما لا يتمتع به. لقد إخترع جنة من رأسه، كل ذلك بمفرده: خمنوا ما تكون عليه! في خمس عشرة مئة أبد لن تسطيعوا ذلك! أقوى عقل معروف لكم ولي لن يستطيع ذلك في خمسين مليون دهر! حسنا، أنا سأخبركم عنها.

1 - أولا وقبل كل شيء، أستذكر لإنتباهكم الحقيقة الإستثنائية التي بدأت بها، ألا وهي أن الإنسان، مثل الخالدين، طبعا يضع الجماع إلى حد بعيد فوق كل متعة -- ورغم ذلك تركه خارج جنته! مجرد خاطرة الجماع تثيره، والفرصة تجعله متوحشا؛ في هذه الحالة يجازف بحياته وسمعته وكل شيء--حتى جنته الشاذة ذاتها--لينتهز الفرصة ويمتطيها إلى الذروة الساحقة. من الشباب إلى متوسط العمر، الرجال والنساء كافة يعشقون الجماع فوق كل المتع الأخرى مجتمعة، إلا أنه فعلا كما قلت: ليس في جنتهم؛ الصلاة تحل محله.

إنهم يعشقونه بهذا القدر؛ ولكنه، مثل كل ما يسمونها "نِعم"، شيء سيء. في أفضل وأطول ما يكون، هو فعل قصير، أقصر من الخيال -- أعني خيال الخالدين. وفي مسألة التكرار الإنسان محدود-- إلى أبعد من مفهوم الخالدين. نحن الذين نواصل الفعل بأسمى نشواته بدون إنقطاع وبدون إنسحاب لعدة قرون، لن نكون أبدا قادرين على ما يكفي من الفهم أو الإشفاق لحالة الفقر الرهيب عند هؤلاء الناس فيما يخص تلك الهبة الغنية، والتي عندما تُمتلك مثلما نملكها تجعل جميع الممتلكات الأخرى تافهة ولا تستحق عناء الجرد.

2 - في جنة الإنسان الكل يغني! الإنسان الذي لم يغني على الأرض يغني هناك؛ الإنسان الذي لم يكن قادرا أن يغني على الأرض يصبح قادرا على ذلك هناك. الغناء الشامل ليس عرضيا، ولا تعفي منه فترات هدوء؛ يستمر، طوال اليوم، وكل يوم، أثناء مدة إثنتي عشرة ساعة. ويبقى الجميع؛ بينما في الأرض يكون المكان خاليا في غضون ساعتين. الغناء من نوع الترانيم فقط. كلا، إنها ترنيمة واحدة بمفردها. الكلمات هي ذاتها على الدوام، في عددها حوالى إثني عشر، بلا قافية، ولا شعر: "هوسانا، هوسانا، هوسانا، مولانا رب الصبؤوت، را را را، سيس--بوم!... آه"

3 - في نفس الأثناء، كل شخص يعزف على قيثارة -- تلك الملايين والملايين! -- بينما لا يتجاوز العشرين في ألف منهم من إستطاع أن يعزف على أداة في الارض، أو أراد العزف على الإطلاق.

تصور الإعصار الصوتي الذي يصم الآذان--ملايين وملايين من الأصوات تصرخ في آن، وملايين وملايين من القيثارات تصر أسنانها في نفس الوقت. أسألكم: هل هي بشعة؟ هل بغيضة؟ هل رهيبة؟

وتصور أيضا: أنها نوبة من المدائح، نوبة من الثناء، من المجاملة والتملق! هل تتسألون من هو المستعد لتحمل هذا المدح الغريب، المدح المجنون؛ ومن لا يتحمله فحسب، بل يعجب به، يتمتع به، يتطلبه ويأمر به؟ أمسكوا أنفاسكم!

إنه الله! أعني إله هذا الجنس. يجلس على عرشه، في خدمته عشرون وأربعة من شيوخه وبعض الشخصيات الأخرى المرتبطة ببلاطه، ويطل على أميال وأميال من عباده العاصفين، ويبتسم، ويقرقر، ويوميء برضاه شمالا وشرقا وجنوبا، في مشهد جذاب بقدر ما أمكن تخيله في هذا الكون، على ما أرى.

ومن السهل ان نرى أن مخترع الجنة لم يبتكر الفكرة، بل نسخها من طقوس عروض دولة صغيرة يؤسف لها، ذات سيادة في المستوطنات الخلفية في مكان ما من المشرق.

كل الناس البيض العاقلين يكرهون الضجيج؛ ومع ذلك فقد قبلوا بهدوء هذا النوع من الجنة -- دون تفكير، دون تدبر، دون دراسة -- ويريدون فعلا أن يذهبوا إليها! شيوخ ورعون، يعتلي رؤوسهم الشيب، أمضوا جزءا كبيرا من وقتهم يحلمون باليوم السعيد عندما يلقون بمشاغل هذه الحياة جانبا ويدخلون في بهجة ذلك المكان. ولكن يمكنكم أن تروا كيف أنها غير واقعية لديهم، وتروا ضعف قبضتها عليهم كحقيقة، لأنهم لا ينشغلون بالإستعداد العملي للتغيير العظيم: لا ترى أبدا أحدهم مع قيثارة، ولاتسمع أبدا أحدهم يغني.

وكما رأيتم ان العرض الفريد نوبة من المدح: مدح بالترنيم، مدح بالركوع. العرض يحل محل "الكنيسة". إذن، في الارض هؤلاء الناس لا يصمدون طويلا في الكنيسة -- ساعة وربع هو الحد الأقصى، ويضعون الخط الفاصل عند مرة واحدة في الأسبوع، أي أنه يوم الأحد. يوم من سبعة؛ وحتى ذلك لا يتطلعون إليه بشوق. وهكذا -- أنظر ما توفره لهم جنتهم: "كنيسة" تدوم إلى الأبد، وسبت لا نهاية له! وسرعان ما يسأموا هذا السبت الأسبوعي القصير هنا، لكنهم يتشوقون لذاك السبت الأبدي، يحلمون به، يتحدثون عنه، يعتقدون أنهم يعتقدون أنهم سيتمتعوا به-- بكامل قلوبهم الساذجة، يعتقدون أنهم يعتقدون أنهم سيسعدوا به!

ذلك لأنهم لا يفكرون على الإطلاق؛ بل يعتقدون أنهم يفكروا. في حين أنهم لا يستطيعون التفكير؛ ولا إثنين في العشرة آلاف من البشر يملكوا شيئا ليفكروا به. أما عن الخيال--هه، حسنا، أنظر إلى جنتهم! يقبلون بها، يوافقون عليها، ويعجبون بها. إن ذلك يعلمك بمقياسهم العقلي.

4 - مخترع جنتهم يفرغ فيها جميع أمم الأرض، في خليط واحد مشترك. كلهم على مساواة مطلقة، ليس من بينهم أحد يعلو على آخر؛ لابد أن يكونوا "إخوة"؛ لابد أن يختلطوا معا، ويصلوا معا، يعزفوا قيثارة معا، هوسانا معا-- البيض والزنوج (العبيد) واليهود، الجميع -- ليس هناك اي تمييز. هنا في الأرض جميع الأمم يكرهون بعضهم بعضا، وكل واحد منهم يكره اليهود. رغم ذلك، كل شخص متدين يعشق تلك الجنة ويريد الدخول إليها. إنه حقا يعشقها. وعندما يكون في نشوة الطرب المقدس، يعتقد أنه يعتقد أنه لو كان هناك سيحمل جميع الناس إلى قلبه، ويعانق، ويعانق، ويعانق!

إنه أعجوبة -- الإنسان! يا ليتني كنت أعرف من إخترعه.

5 - كل إنسان في الأرض يمتلك حصة من العقل، كبيرة كانت أم صغيرة؛ وسواء كانت كبيرة أو صغيرة فهو يفخر بها. وينتفخ قلبه عند ذكر أسماء أعيان العاقلين المهيبين من عرقه، ويحب حكاية إنجازاتهم الرائعة. فهو من سلالتهم، وبتكريمهم لأنفسهم فقد كرموه. أنظروا ما يستطيع عقل الانسان أن يصنعه، يقول صائحا، ويتلو قائمة أسماء اللامعين من جميع العصور؛ ويشير الى الآداب الخالدة التي وهبوها للعالم، والعجائب الآلية التي إخترعوها، والأمجاد التي خلعوها على العلوم والفنون؛ ولهم يكشف كما للملوك، ولهم يقدم أعمق تحية، وأخلص ما يمكن لقلبه المبتهج أن يوفره-- وهكذا يرفع شأن العقل فوق كل شيء آخر في العالم، ويضعه على عرش هناك تحت السماء المتقوسة في سمو يستحيل الإقتراب منه. ثم يختلق جنة ليس بها خرقة من العقلية في أي مكان!

هل هي غريبة، هل مثيرة للفضول، هل محيرة؟ إنها بالضبط كما قلت، وإن بدت بشكل لا يصدق. إن هذا العاشق المخلص للعقل والمجزي السخي لخدماته العظيمة هنا على الأرض إبتكر دينا وجنة لا تكيل للعقل ثناء، ولا تغدق عليه أية ميزة، ولا ترمي له أية عطايا: في الحقيقة، لا تأتي حتى على ذكره أبدا.

إلى هنا، تكونوا قد لاحظتم أن جنة الإنسان دُرست وشيدت وفق خطة محددة مطلقة؛ وأنها مخطًََّطة لتشمل، بتفصيل جهيد، كل ما يمكن تصوره من بواعث الإشمئزاز عند الإنسان، ولا شيء واحد مما يحب!

جيد جدا، كلما نمضي قدما، كلما سيكون هذا الواقع الغريب أوضح.

لاحظوا: في جنة الإنسان لا توجد تمارين للعقل، وليس له ما يعيش عليه. سيتعفن هناك في سنة -- تعفن ونتانة. سيتعفن وينتن -- و في تلك المرحلة يصبح مقدسا. وهذا شيء مبروك: لأن المقدسين فقط يستطيعوا أن يتحملوا أفراح تلك الفوضى.

يتبع...


2007-08-14

ملاحظات حول تاريخ أعلام ليبيا*

أرجو أن تسمحوا لنا بالتعليق وإبداء بعض الملاحظات على مقالة السيد موحمد ؤمادي حول تاريخ أعلام ليبيا.

أولا، حول تاريخ علم المملكة الليبية، ذهب الكاتب إلى مصادر بعيدة ولم ينظر إلى القريبة. يقول السيد موحمد:
هذا العلم الذي نجد حول نشأته المعلومات القليلة أو المنعدمة أصلا، دولة الاستقلال حسب علمي لم تنشر في أي جرائد وحسب المعمرين من الليبيين لم تذاع عنه أي معلومات فالليبيون تفاجئوا به يرفرف على بنايات دولة الاستقلال في الثامن من مارس 1951 دون أي إخطار.

وهذه الأقوال تناقض المعلولمات التاريخية حول تأسيس المملكة الليبية، حيث أنه:

1. تم إقرار دستور الإستقلال في 7 أكتوبر 1951، وأعلنت المملكة الليبية إستقلالها في 24 ديسمبر 1951. هل كان للملكة علم يرفرف على بناياتها (في الثامن من مارس 1951) أي ما يزيد عن سبعة أشهر قبل صدور الدستور وتأسيس الدولة؟ هذه فرضية تتطلب التوضيح.

2. المادة السابعة من الفصل الأول في الدستور تنص على ما يلي:

يكون العلم الوطني على الشكل والأبعد الآتية :
طوله ضعفا عرضه ويقسم على ثلاثة ألوان متوازية أعلاها الأحمر فالأسود فالأخضر . على أن تكون مساحة اللون الأسود تساوي مجموع مساحة اللونين الآخرين وأن يحتوي في وسطه على هلال أبيض بين طرفيه كوكب أبيض خماسي الأشعة

لم يحدد الدستور تفاصيل الهلال والنجمة من حيث الأبعاد والتراصف والوجهة، ولكن رغم ذلك، فقد حدد أبعاد وألوان الأشرطة وترتيبها. ولذلك لا يصح أن أحدا تفاجأ بالعلم بعد تاريخ صدور الدستور.

بشكل عام، يبدو أن الأمور قد اختلطت على الكاتب. فمن جانب نجده يقول أن علم المملكة تعود جذوره إلى ما قبل المملكة، ولكنه يسوق مراجعا تشير إلى أعلام ليبية سابقة لا علاقة لها بالمملكة. ومن جانب آخر، نجده يرد علم المملكة جزئيا إلى علم الحركة السنوسية، وهو ما يتعارض مع تواجد العلم برمته بشكل مستقل فيما قبل. ويقول من جانب أن علم الإستقلال فاجأ الليبيين في عام 1951، أما الليبيين في تجمع الأمازيغ في عام 2007 فقد كانوا على يقين بأن هذا العلم لا يتفرد به العهد السنوسي؟ ما هو الداعي إلى كل هذا الخلط المركب وما الهدف منه؟ لاشك أن هناك أعلام ليبية سبقت علم المملكة، ولكنها ليست مركز الحديث. العلم الذي يدور حوله الحديث هو علم المملكة بالتحديد، والذي لم يوثق الكاتب وجوده خارج إطار المملكة. إذن، إلى جانب ما سماه الكاتب (العلم الأمازيغي) العلم المعروض ليس له أي قيمة وطنية إلا من خلال رمزه للملكة الليبية، وخير شاهد على ذلك هو ما ساقه الكاتب نفسه عن مجهولية هذا العلم قبل عام 1951.

للمزيد من المعلومات حول تاريخ أعلام ليبيا، قبل حتى أن تسمى ل