ديوان‮ ‬‮ ‬‮رفــ الحصانة ــع ‬

2008-03-21

برتراند رصل: صلاة إنسان حر--١


"لايمكن أبدا أن أموت من أجل معتقداتي لأنني قد أكون مخطئا."

هذه ترجمة جزء من المقالة الشهيرة (A Free Man's Worship) بقلم الفيلسوف وعالم المنطق (برتراند رسل). لاحظ أنني فضلت كلمة (صلاة) على كلمة (عبادة) التي تستعمل عادة لترجمة (worship) لأن كلمة (عبادة) لا تليق بإنسان حر، خاصة في هذا السياق.

يمكن لقراء الإنجليزية الإطلاع على سيرة برتراند راسل (هنا) وعلى المقالة الأصل (هنا).


/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_


للدكتور فاوستوس في خلوته، سرد ميفيستوفلس تاريخ الخلق قائلا:

"إن المدح الذي لا نهاية له من جوقات الملائكة قد بدأ يتزايد إرهاقا؛ فبعد كل شيء، ألم يستحق مدحهم؟ ألم يهبهم فرحا لا ينتهي؟ أولن يكون أكثر متعة أن يحصل على ثناء غير مستحق، أن يُعبد من قبل كائنات يعذبها؟ ابتسم داخليا، وقرر أن الدراما العظيمة تنبغي تأديتها.

"لعدد لا يحصى من العصور كان السديم الساخن يجوب بسرعة وعشوائية عبر الفضاء. بعد طول بدأ يتبلور، ورمت الكتلة المركزية كواكبا، والكواكب بردت، بحار تغلي وجبال محترقة تقاذفت، ومن كتلات سحابية سوداء صفائح من أمطار ساخنة أغرقت القشرة التي كانت بالكاد قد تجمدت. والآن أول جرثومة للحياة نمت في اعماق المحيط، وتطورت بسرعة في ذلك الدفء المثمر إلى أشجار غابات شاسعة، سراخس ضخمة تنبثق عن الفطريات الرطبة، وحوش بحرية تتناسل، تتقاتل، تلتهم، وتمضي بعيدا. ومن الوحوش، كما كشفت المسرحية عن نفسها، ولِد الإنسان، بقوة الفكر ومعرفة الخير والشر، والتعطش القاسي للعبادة، ورأي الإنسان أن كل من عليها فان في هذا العالم المجنون البشع، وأن كل شيء يناضل من أجل انتزاع، وبأي ثمن، بضع لحظات خاطفة من الحياة قبل مرسوم الموت الذي لا يرحم. وقال الإنسان : `هناك غرض خفي، لو أننا فقط نسبر أغواره، وهو غرض جيد؛ لأننا يجب أن نقدس شيئا ما، وفي العالم المرئي ليس هناك ما يستحق التقديس. ' ووقف الإنسان جانبا من الكفاح، مقررا أن الله أراد أن يخرج الوئام من الفوضى بجهود البشر. وعندما تتبع الإنسان الغرائز التي أحالها الله إليه من أسلافه الحيوانات المفترسة، أطلق عليها إسم ذنب، وسأل الله أن يغفر له. ولكنه شك في أن يكون مغفورا له بإنصاف، إلى أن اخترع خطة إلهية والتي بموجبها كان من المقرر أن يتجنب غضب الله. ومع رؤيته لسوء الحال، جعلها أسوأ، عسى أن يكون المستقبل أفضل. وحمد الله على القوة التي مكنته من أن يمتنع حتى عن المتع التي تعد ممكنة. وابتسم الله؛ وعندما رأى أن الإنسان قد أصبح كاملا في التخلي والعبادة، أرسل شمسا أخرى عبر السماء صدمت شمس الإنسان، وعاد كل شيء مرة أخرى الى سديم.

"'نعم' ، قال متمتما ، 'كانت مسرحية جيدة؛ سأعمل على عرضها مرة أخرى. '"

هكذا، في خطوط عريضة، بل بأكثر إفتقار لأي هدف، وأكثر خلو من أي معنى، هو العالم الذي يعرضه العلم لإيماننا. في خضم هذا العالم، إن في أي مكان كان، مثُلنا من الآن فصاعدا يجب أن تحل بمنزل. أن الإنسان نتاج لأسباب لم تسبق لها رؤية النهاية التي كانت تعمل على إنجازها؛ أن أصله، نموه، آماله ومخاوفه، محباته ومعتقداته مجرد نتيجة تجمع عرضي من الذرات؛ أن لا نار، ولا بطولة، ولا حدة في الفكر والشعور تستطيع الحفاظ على حياة الفرد إلى ما بعد القبر؛ أن كل جهود العصور، كل التفاني، كل الإلهام، كل سطوعات عبقرية الإنسان، أنها جميعا آيلة الى الإنقراض فى الموت المهيب للمنظومة الشمسية، وأن معبد إنجازات الإنسان بكامله سيكون حتما مدفونا تحت أنقاض كون محطم-- كل هذه الأمور، إن لم تكن تماما خارج نطاق النزاع، فإنها من اليقين بقرب إلى درجة أن أية فلسفة ترفضها لا يمكن لها أن تصمد. فقط في داخل هيكل هذه الحقائق، فقط على أساس متين من يأس لا يلين، يمكن أن يُبنى مسكن الروح بأمان من الآن فصاعدا.

كيف، في هذا العالم الأجنبي اللا إنساني، يستطيع مخلوق بعجز الإنسان أن يحفظ تطلعاته من التشوه؟ إنه لغز غريب، أن الطبيعة، قاهرة ولكن عمياء، في خضم عجالاتها اللادينية عبر هاويات الفضاء، أخيرا أنجبت طفلا يخضع لسلطانها، ولكنه موهوب بالبصر، بمعرفة الخير والشر، بقدرة الحكم على جميع أعمال أمه الغير عاقلة. علي الرغم من الموت، علامة الرقابة الأبوية وخاتمها، لا زال الإنسان حرا طوال سنواته الوجيزة، ليدرس، لينقد، ليعرف، وبخياله ليخلق. له وحده، في العالم الذي يعرفه، أن يملك هذه الحرية، وفي ذلك يكمن تفوقه على القوى التي لا رادع لها، والتي تتحكم في حياته خارجيا.

البدائي يشعر مثلنا بقمع عجزه أمام قوى الطبيعة؛ ولكن بحكم أنه لا يملك في نفسه شيئا يحترمه أكثر من القوة، فهو على إستعداد أن يخر ساجدا أمام آلهته، دون الإستفسار عما إذا كانوا جديرين بعبادته. مؤسف ورهيب جدا هو تاريخ التعذيب والقسوة الطويل، تدهور وتضحيات إنسانية قُبلت أملا في استرضاء الآلهة الحسودين: بالتأكيد، المؤمن المرتجف يعتقد، بعد تقديم الأثمن بعفوية، أن شهوة الدم عندهم لابد أن تكون قد سُدت، ولن يكون هناك حاجة للمزيد. ديانة (مولوخ) -- كما يمكن أن تدعى هذه المذاهب بشكل عام -- هي في جوهرها إسلام العبد الذليل، الذي لا يجرؤ، حتى بقلبه، أن يسمح لخاطرة تراوده بأن ربه لا يستحق العبادة. وبما أن استقلال المُثل ليس مسلّما به بعد، القوة يمكن أن تُعبد بحرية وأن تلقى احتراما غير محدود، على الرغم من ألم أذاها الغاشم.

ولكن بالتدريج، بينما تزداد الأخلاق جرأة، يصبح مطلب العالم المثالي محسوسا؛ والعبادة، إن لم تتوقف، لا بد أن تعطى لآلهة من نوع آخر، غير تلك التي أوجدها البدائيون. البعض، رغم أنهم يشعرون بمطالب المثالية، سيظلون يرفضونها عمدا، ويحثون بأن القوة العارية جديرة بالعبادة. هكذا هو الموقف المتمثل في رد الله على أيوب خارج الدوامة: إستعراض القوة والمعرفة الإلهية، أما الخير الإلهي فليس منه حتى لمحة. وهكذا أيضا هو موقف أولئك الذين، في يومنا هذا، يبنوا أخلاقهم على أساس الصراع من أجل البقاء، تمسكا بأن الناجين هم الأصلح بالضرورة. ولكن آخرين لا يكتفوا بهذا الرد البغيض على الحاسة الأخلاقية، سيتخذوا موقفا تعودنا أن نعتبره دينيا بشكل خاص، متمسكين بأن عالم الواقع، بشكل خفي، منسجم حقا مع عالم المُثل. وهكذا يخلق الإنسان الله، بكامل قوته وكامل خيره، توحيد سحري لما يكون وما يجب أن يكون.

ولكن عالم الواقع، على كل حال، ليس جيدا؛ وفي تسليم حكمنا له هناك عنصر من الخنوع الذي يجب تطهير افكارنا منه. ففي جميع الأمور، يستحسن إعلاء كرامة الإنسان، عن طريق تحريره إلى أبعد حد ممكن من طغيان القوة الغير بشرية. فعندما يكون لدين إدراك أن القوة سيئة إلى حد بعيد، وأن الإنسان، بمعرفته الخير والشر، ما هو إلا ذرة عاجزة في عالم ليس له مِثل هذه المعرفة، عندها يكون لنا أن نختار مرة أخرى : هل نعبد القوة، أم نعبد الخير؟ هل يوجد ربنا ويكون شريرا، أم يُعترف بكونه مخلوق ضميرنا؟

إن الإجابة على هذا السؤال هامة جدا، وتؤثر بعمق في كل أخلاقياتنا. عبادة القوة، والتي عودنا عليها (كارلايل) و(نيتشه) ومذهب العسكرية، هي نتيجة الفشل في المحافظة على مُثلنا ضد كون معادي : إنها بذاتها إسلام ساجد للشر، وتضحية بأعز ما لدينا لمولوخ . إذا كان للقوة أن تحترم في الواقع، فإنه حري بنا أن نحترم قوة أولئك الذين يرفضون "الإعتراف بالحقائق" الكاذب، الذي يفشل أن يعترف بأن الحقائق غالبا ما تكون سيئة. دعونا نعترف بأنه، في العالم الذي نعرفه، هناك الكثير من الأمور التي من شأنها أن تكون أفضل على خلاف ما هي عليه، وأن المُثل التي بها ولابد أن نلتزم لا تتحقق في مجال المادة. فلنحافظ على إحترامنا للحقيقة، للجمال، لمثل الكمال الذي لا تسمح لنا الحياة ببلوغه، رغم أن أيا من هذه الأمور لا يحظى برضا الكون اللاواعي. إذا كانت القدرة سيئة، كما يبدو، فلنرفضها من قلوبنا. في هذا تكمن حرية الإنسان الحقيقية: في تصميمنا على عبادة فقط الله الذي خلقه حبنا للخير، وعلى إحترام فقط السماء التي تلهم البصيرة في أطيب اللحظات. في العمل، وفي الرغبة، لا بد أن نستسلم على الدوام لطغيان القوى الخارجية؛ ولكن في الفكر، وفي الطموح، نحن أحرار، أحرار من زملائنا الإنسان، أحرار من الكوكب الذي تزحف عليه أجسادنا عقما، وأحرار، في حياتنا، حتى من طغيان الموت. فلنتعلم، إذا، تلك الطاقة الإيمانية التي تمكننا من العيش باستمرار في مرأى الخير؛ ودعونا نهبط، عملا، الى عالم الواقع، بتلك الرؤية دائما أمامنا.

{آمين. الباقي يتبع يوما ما... ربما.}

التسميات:

10 تعليقات:

إرسال تعليق

مواضيع مرتبطة

إنشاء رابط

عودة إلى المدخل