ديوان‮ ‬‮ ‬‮رفــ الحصانة ــع ‬

2006-01-26

ما وراء الشبابيك في فنون البراريك

في هذه المناسبة نلتفت إلى جانب الفن التشكيلي والتصويري للإعلام في براريك الغضب الليبية.

يقول البعض أن الإنترنت وفرت صوتا لمن لاصوت له، ولكن الإنترنت في الحقيقة لم توفر صوتا بل وفرت مكبرا للصوت ولباقي وسائل التعبير، وحرية إستعمال الإنترنت جعلت من جهوريتها سيفا ذا حدين: إبلاغ الرسالة إلى الهدف والإفصاح عن المصدر.

ولكن قبل الحديث عن فنون البراريك، نحن بحاجة إلى تعريف كلمة وفكرة مركزية، للأسف، لانعرف لها مقابل على لسان العرب المتجلط، وهي صفة subtle والإسم subtlety . لانستطيع أن نعبر عن تقدم أو رقي حسي\ذوقي بدون هذه الكلمة. القاموس يعرف الصفة بكلمة (دهائي) والإسم دهاء، ولكنني أعتقد أن دهاء لها وقع سلبي، في حين أن الأصل لايتضمن ذلك. ربما تتقارب بعض معانى الكلمة مع عبارة (تحت السطح) أو صفة باطن، أو خفيف، أو خافت بشكل يجعل إستشعاره ممكنا ولكن الإحساس به ليس حتميا وليس لا إراديا. إذا، الكلمة تتعلق بالإحساس العقلي، وهو أمر يتميز عن الإحساس البدني (الحيواني) بشتى أنواعه. في اللهجة الليبية عندنا كلمات مقاربة مثل كلمة (دكنوني)، صفة لتعبير أو رسالة، وكلمة (رزين) كصفة لسكون وهدوء المرسل.

بدون رزن وبدون دكنونية يصبح الفن صراخا وعواء، مجرد ضجيج أو قشرة فاقعة بدون لب للمتذوق. يقال أن اللبيب بالإشارة يفهم، ونقول أن ذلك النوع من الإشارة التي يفهمها اللبيب ولايعيها السفيه هو بالتحديد مانعنيه بالرزن والدكنونية. خففوا الصوت وخففوا الوطء ياعالم!

الرزن كقيمة ومركبة فنية تكاد أن تكون غائبة من الجانب التصميمي في الثقافات البدائية. أنظر مثلا إلى لباس البدو في ليبيا، وستجد فيه شرمولة من الألوان الفاقعة، بدون أي تنسيق يستهدف عين العقل. وأنظر إلى لباس القذافي، الذي تحضر فيه بدوية الذوق مرفوعة لأس عشرة، تماشيا مع مبدأ التوريم تعظيم. وأنظر كذلك إلى ملصقات الثورات الثقافية من الصين إلى زوارة، بإشعاعاتها وشعلاتها وشموسها المتشرتعة على العالم من منبع العلم. ولكن، في هذه المناسبة لن نطلب الفن في الصين، بل سنكتفي بنماذج من فنون ذوي القربى، أحبابنا معشر البراريك، نماذج سياسية وإجتماعية من المعاني الكامنة والرزن المفقود.

علم المملكة الليبية قد يكون أبرز المعالم الفنية في براريك الغضب، خاصة بعد إنعقاد مؤتمر المعارضة في الصيف الماضي وإنتشاء مايعرف بالشق الجذري من المعارضة بجرعة من (الشرعية الدستورية). ولكن، رغم أهمية هذا الرمز عند البعض ورغم ضرورة خضوعه لمقاييس ومواصفات محددة، فإن المتتبع لعروضه في البراريك يفاجأ بتنوع الصور وتحورها.


علم المملكة الليبية (١٩٥١-١٩٦٩) من موقع (أعلام العالم)

الصورة أعلاه هي أقرب نموذج لعلم المملكة الليبية حسب تعريفه الدستوري وما تبعه من تدقيقات رسمية (لم تصل إلى تعديلات دستورية.)

من الدستور الليبي، الفصل الأول، مادة ٧.

يكون العلم الوطني على الشكل والأبعد الآتية :

طوله ضعفا عرضه ويقسم على ثلاثة ألوان متوازية أعلاها الأحمر فالأسود فالأخضر . على أن تكون مساحة اللون الأسود تساوي مجموع مساحة اللونين الآخرين وأن يحتوي في وسطه على هلال أبيض بين طرفيه كوكب أبيض خماسي الأشعة
من موقع الإتحاد الدستوري الليبي
لم يحدد الدستور تفاصيل الهلال والنجمة من حيث الأبعاد والتراصف والوجهة. للمزيد من المعلومات حول تاريخ أعلام ليبيا، قبل حتى أن تسمى ليبيا، ننصحكم بزيارة موقع (أعلام العالم) الذي يعرض تاريخ أعلام ليبيا منذ العهد العثماني، بما فيها أعلام الدولة القرمانلية التي يجهلها ويتجاهلها معظم الليبيين المعاصرين، لاسيما المغرمين بخرافة (ليبيا الحديثة) وأسطورة توحيد ليبيا على يد إدريس السنوسي، إلخ. يقدم الموقع (وثيقة حكومية غير مؤرخة) صادرة عن وزارة الإعلام والإرشاد (؟) يأتي فيها ذكر المزيد من تفاصيل ومحددات الهلال والنجمة، من بينها مثلا أن أحد أشعة النجمة يؤشر إلى مركز الهلال، إلخ.


على يسار القارئ تنفرد صورة علم المملكة من موقع الإتحاد الدستوري، وفيها أخطاء في تناسب الأبعاد وفي ميول النجمة وعرض الهلال،... وإذا كان هذا أداء منظمة مكرسة تماما لفكرة الإلتزام بالدستور الليبي، فماذا نتوقع من البزقليف؟ طبعا هذا جانب آخر من ثنائية التقديس والتدنيس الليبية.
شعار المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية

شعار ليبيا لمستقبل

لاحظ التعديلات التي طرأت على شكل العلم في شعاري المؤتمر و (ليبيا المستقبل) السابقين؛ تحديدا، لاحظ تقارب مساحات الأشرطة الثلاث. هذه التعديلات ليست محض الصدف بل إنعكاسات رغبة دكنونية في تعديل التاريخ وجعله مستساغا بالذوق السياسي المعاصر. من المعلوم أن العلم والمملكة بحذافيرها تأسست على علم وإمارة برقة السنوسية الأسود بهلاله ونجمته (تستور)، ومن المعلوم أيضا أن هناك قوى خارجية ساهمت بشكل كبير في تأسيس المملكة وكان لها أثر ملحوظ على شكل نظام الدولة، كما كانت لها مصالح في شمولية السلطات التي منحها (الدستور) لحليفها الملك إدريس. وبما أن الأشرطة الثلاث ترمز للولايات الثلاث، فقد قضت (الشرعية الدستورية) أن يكون نصيب برقة في شعار الدولة يعادل ضعف نصيب طرابلس أو فزان، وهي قسمة غير عادلة، مثلها مثل تقسيم عضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ بالتساوي على الولايات الثلاث، في حين أن عدد سكان ولاية طرابلس كان (ولا زال) يفوق ضعف عدد سكان برقة وفزان مجتمعين! وهذا الخلل الهيكلي والوليد المشوه يسوقه الكثيرون تحت عنوان (ليبيا الحديثة). ولكن على مستوى آخر--دكنوني--نجد من بينهم من يحاول تنقية ذلك المفهوم بدون أن يفصح عن شوائبه.

في فندق حامورابي هناك قسم مخصص لتاريخ العلم الليبي، ولكنه يبدأ بعلم ١٩٥١. لماذا؟ لأن السيد إبراهيم إغنيوة ينتمي للجيل الذي فطم على مصاصة (ليبيا الحديثة)، ويؤكد ذلك كل عام بعرضه صورة عمر المختار--بمفرده طبعا-- في مناسبة عيد الإستقلال. المهم هنا أن جيل السيد إغنيوة يعتقدون أن الكيان الجغرافي-سياسي المسمى اليوم ليبيا لم يكن له تاريخ ولا إستقلالية ولا سيادة ولا سفارات ولا أعلام، ولم يتوحد تحت أي علم قبل علم المملكة. ولكن إذا حسبنا الأعوام، نجد أن عمر المملكة يساوي حوالي عشر عمر الدولة القرمانلية على سبيل المثال. نحن لا نعاتب السيد إغنيوة لأنه يمثل بصدق الثقافة التي ترعرعنا جميعا في رحابها. ولكننا لا نقبل تسمية أي شيء (تاريخ العلم الليبي) إلا إذا تضمن على الأقل إشارة إلى ماسبق خرافة (ليبيا الحديثة).

الخلاصة من النماذج المعروضة أعلاه أن الفنون البراريكية تحمل في ثناياها بعض المؤشرات إلى قضايا مهمة، ولكنها مؤشرات تحت السطح. ومن جانب آخر، نوعية الأعمال الفنية تعكس ضحالة إلتزام معديها وإكتفائهم بالمواصفات القشرية، بغض الطرف عن التفاصيل الجوهرية المهمة. من أهم أسباب تدني فنون البراريك أن القائمين عليها لا يملكون موهبة الفن. باهي، مش مشكلة، لا نشترط أنهم قادرون على سد الحاجة الفنية، ولكن هل يعلمون هم ذلك، وهل يعملون على سد الثغرات، أم أننا بحاجة إلى تكرار مقولة بو درنة؟

وماذا عن فنون الإصلاحجية الذين يظهرون ميولا تنمويا، ولكن بيش بتنفخ النار يا لشلم؟ إليكم بعض روائع منتدى (ملتبس)، المتخصص--إفتراضا--في حشد و تنظيم وتنمية القدرات وإستغلال الموارد البشرية، ولنبدأ بشعار المنظمة


تو بالله هذا شعار منظمة تنمية وإلا طابع لحم؟

على الأقل الجماعة إختاروا اللون الأحمر، المخصص (حسب علمي) لطبع اللحم الوطني!

وإليكم شعار موقع (ملتبس)، الذي يمثل شاطيء الأمان في أفق رحلة الإصلاح، رغم أننا نواجه صعوبة في تحديد جغرافية هذا الشاطيء، هل هي جزيرة إستوائية تحفها أشجار (لوز القرد)، أم أنه شاطيء نخيل قرب زليتن؟ وبعد التدقيق في الصورة أصابنا الحول. لقد سبق أن رأينا أشجار زيتون في تونس لها جذوع خشنة (مكعبرة) يسمونه الزيتون (المفرعن)، أما النخل أبو راسين فهذا خبر جديد لم نراه ولم نسمع به من قبل حتى في الأدلة السياحية للجنة!


من بحر التيه إلى شاطيء الأمان في جنة الإصلاحجية
وإذا النخيل إنشطرت... رؤوس يومئذ حكّت وعيون بحلقت... إضغط على الصورة للتكبير

ويذكرنا النخيل المنشطر عند (ملتبس) بطرفة كنا نتندر بها أيام الصغر، تدور أحداثها حول مؤتمر علمي خطير عقد في ليبيا وبمشاركة أرقى العلماء من جميع أنحاء العالم. وكان هناك صحافي (أو مقيد أحوال) يريد التسلل إلا قاعات المؤتمر فذهب يتقصى الأمور عند بوابة المبنى، ولكنه ذهل عندما وجد أن البواب المكلف كان أعمى! فسأله الصحافي، كيف تستطيع أن تتأكد من هوية المشاركين وأنت لاتفهم لغاتهم ولاتستطيع حتى أن ترى وجوههم؟ فقال البواب،"بسيطة جدا. العلماء جميعا يصابون بالصلع من كثرة التفكير، ولذلك ما علي إلا أن أتلمس رؤوسهم فإن كانت ملساء سمحت لهم بالدخول." بعد فترة قصيرة عاد الصحافي إلى البوابة ولكن هذه المرة لم يتكلم وإنما خلع سراويله ومد كعكوصه للبواب الذي تلمسه وأعلن متعجبا،"تئ تئ، فيه اللي من العلم نين روسهم إنشقوا!" وهذا ماحصل لنخيل جماعة (ملتبس)، إنقسمت رؤوسه من وفرة الري في جنة الإصلاح التي تجري من تحتها الرياح! هذه منظمة تتسمى بالتنموية ولاتستطيع في غضون سنوات أن تحشد من القدرات البشرية مايكفي لتصميم شعار معقول. شكشكي!

ننتقل إلى الجانب الإجتماعي، أينما نجد ظاهرة مهمة أردنا في البداية أن نعرض منها بعض النماذج، ولكننا عدلنا عن ذلك لأننا نتعامل مع القوم الغاضبين؛ ورغم إلتزامنا بمبدأ رفع الحصانة، سنكتفي هنا بوصف الظاهرة بدون أي نماذج صورية. تعود جذور هذه الملاحظة إلى كتاب بعنوان (أبناء الله)، كتبته السيدة آغنيس نيوتن كيث (أمريكية) عاشت في ليبيا برفقة زوجها (الإنجليزي) المتخصص في علم الغابات (صدق أو لا تصدق) والمنتدب آنذاك من الأمم المتحدة لفرز وتصنيف أنواع الأشجار في ليبيا، وكان ذلك في الفترة بين أواخر الخمسينات و بداية الستينات. الكتاب ممتاز بشكل عام ويستحق القراءة لأنه يحمل عدة ملاحظات أصلية على الثقافة الليبية في ذلك العصر. تحدثت الكاتبة من خلال سردها لأحداث الأعراس والمآتم و في الأسواق، وعلاقاتها مع الليبيين وبين بعضهم البعض. ولكن من أروع ما كتبت كانت ملاحظاتها عن الشخصية الليبية في ذلك العصر. كتبت مثلا عن ولع الليبيين بغسل أرجلهم قبل النوم، حتى في وسط الصحراء، عند توفر الماء...، ولكن الملاحظة التي علقت بذاكرتي أكثر من غيرها كانت حول النساء الليبيات، وقالت فيها أن النساء الليبيات ينتقلن من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشيخوخة مباشرة، ولايعبرن بما يعرف في باقي العالم بمرحلة (متوسط العمر). ويالها من ملاحظة ثاقبة! بعد الإطلاع على العديد من صور المناسبات الإجتماعية في براريك الغضب، إتضح لنا أن المشكلة التي أشارت لها الكاتبة في الستينات قد تفاقمت بين الليبيات في الخارج، خاصة في بريطانيا، فبدل أن تسترد المرأة الليبية متوسط عمرها، فقدت المزيد، وهي الأن تمر من مرحلة الطفولة إلى التلاشي مباشرة. هل هي مؤامرة تحيكها بريطانيا ضد الليبيات؟ ماهي المشكلة؟ نحن نعلم أن الليبيين في ليبيا (رجالا ونساء) يتعرضون للأشعة الفوق بنفسجية وهي السبب في ترهل بشرتنا وتعكرش وجوهنا وكثرة حالات (الماء الأزرق والأبيض) في عيوننا. ولكن ما هي مشكلة النساء في الخارج، وفي بريطانيا بالذات التي تندر فيها الأيام المشمسة أصلا؟ والذي زاد من حيرتنا أن الليبيون لم يتوقفوا عن التكاثر في بريطانيا، فمن أين يأتي الأطفال، إذا كانت النساء تتلاشى قبل عمر الأمومة؟ ظاهرة عجيبة حقا! بعد بحث جهيد، وإتصالات مع خبراء عالميين (بجماجمهم المنشطرة) وصلنا إلى تفسير لهذه الظاهرة الغريبة. الليبيات في الخارج لايعكسن الضوء! نعم، هن حاضرات في جميع المناسبات المصورة في براريك الغضب، ولكن عندما يلتقط أحد صورة لا تظهر فيها المرأة البالغة لأنها لاتعكس الضوء، يعني مثل الثقوب السوداء في الكون. ولو دققت النظر في بعض صور البراريك، يمكنك أن تستنتج منها نفس النتيجة. أنظر مثلا لهذه الصورة من حفلة ليبية في مانشيستر بمناسبة عيد اللحم. في القسم الخلفي للحجرة، أينما تبدو الكراسي غير مشغولة، في الحقيقة هناك العديد من السيدات ولكن لا يمكن تصويرهن! وأنظر كذلك إلى هذه الصورة، ولاشك أنك ستلاحظ الثغرة على يمينك. في الحقيقة هناك سيدة واقفة مع الفتيات ولكنها لا تظهر في الصورة بعد أن فقدت خاصية عكس الأضواء.

وإليكم مثال من الفنون الصاخبة الصارخة، فغطوا آذانكم وعيونكم!


هذا مثال لعمل فني يفقد الرزن، عمل غير ناضج عاطفيا، وإبتدائي تقنيا.


وأخيرا، نصل إلى شعار نستطيع أن نجزم بإنتماءه للمدرسة الفالوسية، المسماة إشتقاقا من (الفالوس) وهو الإسم الإغريقي للذكر ورمز الخصب، والفالوسية كمذهب ديني\فني تواجدت في العديد من الحضارات في العالم، وقد يكون لها أثر غير مقصود على الكثير من الأعمال الفنية في جميع الثقافات التي يسيطر فيها الرجال. من ليبيا إليكم شعار (جمعية الشباب الليبيين)


هل يراودك أي شك أن مصمم هذا الشعار شاب وليس شابة؟ كيخ كيخ كيخ! ياللخلاعة! ياللفجاعة! يا شفاعة يارسول الله! قر قر قر!

التسميات: , , ,

1 تعليقات:

إرسال تعليق

مواضيع مرتبطة

إنشاء رابط

عودة إلى المدخل