ديوان‮ ‬‮ ‬‮رفــ الحصانة ــع ‬

2005-12-22

ضرب‮ ‬السوالب‮:‬‮ ‬عبارة‮ ‬وعبرة

هناك‮ ‬نظرية‮ ‬تقول‮ ‬أن‮ ‬الكلمات،‮ ‬كالأسماء‮ ‬مثلا،‮ ‬تلد‮ ‬السلوك،‮ ‬أي‮ ‬أنها‮ ‬تملي‮ ‬أسلوب‮ ‬تعامل‮ ‬البشر‮ ‬مع‮ ‬المسميات‮. ‬صاحب‮ ‬النظرية‮ ‬كان‮ ‬مهندسا‮ (‬بالخبرة‮ ‬وليس‮ ‬بالتسمية‮) ‬ثم‮ ‬عمل‮ ‬في‮ ‬قطاع‮ ‬التأمين‮ ‬للتحقيق‮ ‬في‮ ‬الحرائق‮ ‬وغيرها‮ ‬من‮ ‬الكوارث‮. ‬يستدل‮ ‬صاحبنا‮ ‬بحرائق‮ ‬مخازن‮ ‬الحبوب‮ ‬التي‮ ‬توضع‮ ‬بها‮ ‬مراوح‮ ‬للتهوية‮ ‬وللتجفيف،‮ ‬تجنبا‮ ‬للتخمر،‮ ‬إلخ‮. ‬الإسم‮ ‬المتداول‮ ‬للمراوح‮ ‬يعني‮ (‬نافخة‮) ‬ولذلك‮ --‬حسب‮ ‬النظرية‮-- ‬يغلب‮ ‬توجيهها‮ ‬إلى‮ ‬الداخل‮ ‬لكي‮ ‬تنفخ‮ ‬الهواء‮ ‬على‮ ‬الحبوب‮ (‬وغبار‮ ‬قشورها‮)‬،‮ ‬فإذا‮ ‬حدث‮ ‬بها‮ ‬عطب‮ ‬وإحتكاك،‮ ‬تقدح‮ ‬شظاياها‮ ‬المتوهجة‮ ‬وتتناثر‮ ‬على‮ ‬الحبوب‮ ‬وتشعل‮ ‬بها‮ ‬النيران‮. ‬ولو‮ ‬أن‮ ‬المروحة‮ ‬سميت‮ (‬ماصة‮) ‬لوجهها‮ ‬أصحابها‮ ‬إلى‮ ‬الخارج‮ ‬ولكان‮ ‬لها‮ ‬أن‮ ‬تؤدي‮ ‬دورها‮ ‬بدون‮ ‬أضرار‮ ‬جانبية‮.‬

في‭ ‬لسان‭ ‬العرب‭ ‬المتجلط‭ ‬هناك‭ ‬العديد‮ ‬من‮ ‬الكلمات‭ ‬المعلبة‭ ‬للإستعمال‭ ‬ولكنها‭ --‬عمليا‭-- ‬فقدت‮ ‬معانيها‮ ‬الأصلية‮ ‬واكتسبت‮ ‬معاني‮ ‬بديلة‮ ‬عنها،‮ ‬وبالتالي‮ ‬أدت‮ ‬إلى‮ ‬إنحراف‮ ‬في‮ ‬الممارسات٫‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬نجد‭ ‬مثلا‭ ‬عبارة‭ ‬‮(‬حقوق‭ ‬الإنسان‮) ‬التي‮ ‬تعني‮ ‬عندنا‮ (‬حقوق‮ ‬العضو‮ ‬أو‮ ‬المنتسب‮) ‬لجماعة‮ ‬أو‮ ‬طائفة‮ ‬أو‮ ‬جنس‮ ‬معين‮. ‬في‮ ‬ليبيا‮ (‬حقوق‮ ‬الإنسان‮) ‬تعني‮ ‬عمليا‮ (‬حقوق‮ ‬الرجل‮ ‬المسلم‮ ‬الأبيض‮ ‬العربي‮). ‬وعندنا‮ ‬مصطلح‭ ‬‮(‬الإصلاح‮) ‬الرائج،‮ ‬والذي‮ ‬يعني‮ ‬إسقاط‮ ‬المسؤولية‮ ‬عن‮ ‬السوابق‮ ‬والترخيص‮ ‬لعهد‮ ‬جديد‮ ‬من‮ ‬اللواحق،‮ ‬ولنا‮ ‬عودة‮ ‬على‮ ‬هذا‮ ‬المفهوم‮ ‬في‮ ‬يوم‮ ‬آخر٫‮ ‬

مختارة‮ ‬اليوم‭ ‬هي‮ ‬عبارة‭ ‬‮(‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الجودة‮) ‬التي‭ ‬نقلت‮ ‬من‮ ‬منبتها‮ ‬إلى‭ ‬متاحف‭ ‬اللسان‭ ‬ومقابر‭ ‬البيان‮ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬عربستان٫‭ ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬للشخص‭ ‬العادي،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الغير‭ ‬عادي،‮ ‬للنخبة‮ ‬كما‮ ‬يقولون؟‮ ‬ولماذا‮ ‬هذا‮ ‬الإنحياز‮ ‬الظاهر‮ ‬بإفتراض‮ ‬حضور‮ ‬الجودة‮ ‬مسبقا،‮ ‬بينما‮ ‬أصلها‮ ‬الذي‮ ‬ترجمت‮ ‬منه‮ ‬لالون‮ ‬له،‮ ‬ومفاده‮ ‬يحتمل‮ ‬الجودة‮ ‬بقدر‮ ‬مايحتمل‮ ‬الركاكة‮. ‬مفهوم‮ (‬التحكم‮ ‬في‮ ‬الجودة‮) ‬بضاعة‮ ‬مستوردة‮ ‬تم‮ ‬تعليبها‮ ‬في‮ ‬قالب‮ ‬محلي‮ ‬فأصبحت‮ ‬تعني‮ ‬التسلط‮ ‬على‮ ‬ما‮ ‬يفترض‮ ‬وجوده،‮ ‬ولاتفيد‮ ‬الخلق‮ ‬ولا‮ ‬الإنماء‮.‬

إليكم‮ ‬هذه‮ ‬العينات

من‮ ‬صحيفة‮ (‬ليبيا‮ ‬اليوم‮)‬‮ ‬عنوان‮ ‬طويل‮ ‬عريض‮ ‬يتضمن‮ ‬ما‮ ‬يلي

‮( ...‬مفتش‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‮... ‬ينفي‭ ‬مجددا‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬مرض‭ ‬أنفلونزا‭ ‬الطيور‮)‬

ومن‮‮ ‬موقع‮ (‬المنارة‮ ‬للإعلام‮)‬،‮ ...‬تفضلوا‮ ‬

‮(‬ليبيا‮ ‬تنفي‮ ‬مجددا‮ ‬خلوها‮ ‬من‮ ‬اي‮ ‬اعراض‮ ‬لوباء‮ ‬انفلونزا‮ ‬الطيور‮)‬


في‮ ‬الأولى‮ ‬مفتش‮ ‬الصحة‮ >>> ‬ينفي‮ ‬عدم‮ ‬وجود‮ <<< ‬المرض،‮ ‬وفي‮ ‬التالية‮ ‬ليبيا‮ >>> ‬تنفي‮ ‬خلوها‮ <<< ‬من‮ ‬أعراض‮ ‬الوباء‮. ‬ونحن‮ ‬نقول‮ ‬يا‮ ‬لطيف‮ ‬ألطف،‮ ‬نادوا‮ ‬النجدة‮ ‬راهي‮ ‬البلاد‮ ‬إتخذت‮! ‬لا‮ ‬نستغرب‮ ‬صدور‮ ‬مثل‮ ‬هذه‮ ‬الأخطاء‮ ‬المنطقية‮ ‬لأن‮ ‬الخطأ‮ ‬من‮ ‬توابع‮ ‬العمل،‮ ‬ولكننا‮ ‬نستغرب‮ ‬بشدة‮ ‬أن‮ ‬هذه‮ ‬العفسات‮ ‬المزلزلة‮ ‬لم‮ ‬تخضع‮ ‬للتصحيح‮ ‬رغم‮ ‬أنها‮ ‬منشورة‮ ‬منذ‮ ‬أيام‮ ‬أمام‮ ‬جمهورنا‮ ‬المتعطش‮. ‬أين‮ ‬المراجعة‮ ‬‮ ‬عند‮ ‬العرض‮ ‬وأين‮ ‬الحرص‮ ‬والفطنة‮ ‬عند‮ ‬الطلب؟‮ ‬داقرة‮ ‬ولقت‮ ‬مغطاها‮!‬

يا‮ ‬سيادات‮ ‬المحررين‮: ‬نفي‮ ‬عدم‮ ‬وجود‮ = ‬تأكيد‮ ‬وجود‮. ‬ونفي‮ ‬خلو‮ = ‬تأكيد‮ ‬إحتواء،‮ ‬إلا‮ ‬إذا‮ ‬كنتم‮ ‬تعملون‮ ‬بمنطق‮ (‬ثلاثي‮) ‬لا‮ ‬يقبل‮ ‬بالضرورة‮ ‬أن‮ ‬الصواب‮ ‬نقيض‮ ‬الخطأ‮. ‬

ويا‮ ‬حضرات‮ ‬القراء‮: ‬في‮ ‬ثقافات‮ ‬الإستبداد‮ ‬التحكم‮ ‬في‮ ‬الجودة‮ = ‬الحد‮ ‬من‮ ‬طيشها‮ ‬وكبحها‮.‬

التسميات: ,

4 تعليقات:

إرسال تعليق

مواضيع مرتبطة

إنشاء رابط

عودة إلى المدخل