ديوان‮ ‬‮ ‬‮رفــ الحصانة ــع ‬

2006-01-10

ما‮ ‬أصاب‮ ‬عمنا‮ ‬مخضرم؟

نشر‮ ‬الكاتب‮ (‬مخضرم‮) ‬ترجمة‮ ‬لتقرير‮ ‬قانوني‮ ‬صدر‮ ‬مؤخرا‮ ‬عن‮ ‬مجلة‮ (‬جون‮ ‬أفريك‮) ‬حول‮ ‬تعثر‮ ‬بعض‮ ‬التوابع‮ ‬القانونية‮ ‬لإعتراف‮ ‬الدولة‮ ‬ليبيا‮ ‬بمسؤولية‮ ‬تفجير‮ ‬الطائرة‮ ‬الفرنسية‮ ‬وقبولها‮ ‬إدانة‮ ‬محكمة‮ ‬فرنسية‮ ‬لستة‮ ‬مسؤولين ليبيين‮ ‬والحكم‮ ‬عليهم‮ ‬غيابيا‮ ‬بالسجن‮ ‬المؤبد‮. ‬وقد‮ ‬أضاف‮ ‬السيد‮ ‬مخضرم‮ ‬لترجمته‮ ‬تعليقا‮ ‬حول‮ ‬موضوعها،‮ ‬كما‮ ‬جرت‮ ‬العادة‮ ‬التي‮ ‬تميزه‮ ‬عن‮ ‬فريق‮ ‬الحمالين‮ ‬الذين‮ ‬يفترون‮ ‬علينا‮ ‬بين‮ ‬الحين‮ ‬والآخر‮ ‬تحت‮ ‬عنوان‮ (‬قرأت‮ ‬لك‮) ‬والأصدق‮ ‬أن‮ ‬يقولوا‮ (كركرت‮ ‬لك‮) ‬أو‮ ‬حتى‮ (‬إخترت‮ ‬لك‮). ‬وبين‮ ‬سطور‮ ‬التعليق‮ ‬وجدنا‮ ‬نافذة‮ ‬صغيرة‮ ‬على‮ ‬مشكلة‮ ‬ثقافية‮ ‬كبيرة،‮ ‬وهي‮ ‬مشكلة‮ ‬التمظهر‮ ‬بالألقاب‮ ‬كمؤشر‮ ‬للدونية‮ ‬ولإختلال‮ ‬معايير‮ ‬وقيم‮ الحقيقة ‬في‮ ‬المجتمع‮ ‬الليبي‮. ‬

بشكل‮ ‬عام،‮ ‬مشاركات‮ ‬السيد‮ ‬مخضرم‮ ‬في‮ ‬براريك‮ ‬الغضب،‮ ‬أو‮ ‬المواقع‮ ‬الوطنية‮ ‬كما‮ ‬يسميها،‮ ‬جديرة‮ ‬بالإحترام‮ ‬لعدة‮ ‬أسباب‮ ‬موضوعية،‮ ‬بغض‮ ‬النظر‮ ‬عن‮ ‬وقوعها‮ ‬داخل‮ ‬أو‮ ‬خارج‮ ‬دائرة‮ ‬الإتفاق‮. ‬أولا،‮ ‬الكتابات‮ ‬معدة‮ ‬بحرص‮ ‬على‮ ‬تماسكها‮ ‬فكريا‮ ‬ولغويا‮. ‬ثانيا،‮ ‬أنها‮ ‬كتابات‮ ‬لحيمة‮ ‬تكتسي‮ ‬فيها‮ ‬الحقائق‮ ‬بالأراء‮ ‬ولا‮ ‬تترطرط‮ ‬مادتها‮ ‬كالأجواف‮ ‬المتنفخة‮ ‬في‮ ‬قفة‮ ‬المصارين‮. ‬ثالثا،‮ ‬أن‮ ‬الكاتب‮ ‬يتناول‮ ‬مواضيع‮ ‬متنوعة‮ (‬أحداث،‮ ‬أعمال‮ ‬وحتى‮ ‬أقوال‮)‬،‮ ‬بأساليب‮ ‬مختلفة،‮ ‬ولكنه‮ ‬لايضرب‮ ‬تحت‮ ‬الحزام‮. ‬ومن‮ ‬الملاحظ‮ ‬عن‮ ‬الكاتب‮ ‬مخضرم‮ ‬عزوفه‮ ‬عن‮ ‬التفاعل‮ ‬مع‮ ‬باقي‮ ‬الكتاب‮ ‬في‮ ‬براريك‮ ‬الغضب،‮ ‬ولا‮ ‬ملامة،‮ ‬بإستثناء‮ ‬تفاعل‮ ‬وحيد‮ (‬على‮ ‬ما‮ ‬نذكر‮) ‬كان‮ ‬ردا‮ ‬على‮ ‬دعوة‮ ‬السيد‮ ‬الهادي‮ ‬شلوف‮ ‬لإنظمام‮ ‬ليبيا‮ ‬إلى‮ ‬الإتحاد‮ ‬الأوروبي‮. ‬أمام‮ ‬هذه‮ ‬الخلفية‮ ‬تلقينا‮ (‬بسرور‮) ‬الملاحظة‮ ‬التي‮ ‬أوردها‮ ‬الكاتب‮ ‬ضمن‮ ‬تعليقه‮ ‬على‮ ‬المقالة‮ ‬القانونية‮ ‬المترجمة،‮ ‬حيث‮ ‬قال‮:‬
ولقد‭ ‬وجدنا‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬ترجمتها‭ ‬لما‭ ‬شابها‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬الإجراءات‭ ‬والأساليب‭ ‬القانونيّة‭ ‬‮(‬وكان‭ ‬أجدر‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بهذه‭ ‬المهمّة‭ ‬أساطين‭ ‬القانون‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يملّون‭ ‬من‭ ‬تذييل‭ ‬كتاباتهم‭ ‬في‭ ‬المواقع‭ ‬بالألقاب‭ ‬الفخيمة‮!)

المصدر: جرجرة القذافي إلى محاكم 18 دولة!!

كان‮ ‬رد‮ ‬فعلنا‮ ‬الأولي‮: ‬كيخ‮ ‬كيخ‮ ‬كيخ‮! ‬ولو‮ ‬كان‮ ‬بيدي‮ ‬لاستبدلت‮ ‬كلمة‮ (‬الفخيمة‮) ‬بكلمة‮ (‬المفخمة‮) ‬أو‮ (‬المفخفخة‮) ‬أو‮ ‬حتى‮ (‬المفخخة‮). ‬طبعا،‮ ‬مقيدو‮ ‬أحوال‮ ‬الكامبو‮ ‬الليبي‮--‬من‮ ‬أمثالنا‮-- ‬يعلمون‮ ‬جيدا‮ ‬أن‮ ‬المعني‮ ‬بهذه‮ ‬النخسة‮ ‬هو‮--‬شد‮ ‬روحك‮--:‬

الأخ‮ ‬الأستاذ‮ ‬الدكتور‮ ‬المحامي،‮ ‬دكتوراه‭ ‬الدولة‮ ‬‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬‮(‬‭ ‬فرنسا‮)‬،‮ ‬دكتوراه ‮ Ph.D. في‭ ‬القانون‭ ‬الجنائي‭ ‬والعلوم‭ ‬الجنائية‭ ‬‮(‬إيطاليا‮)‬،‮ ‬رئيس‭ ‬الجمعية‭ ‬الأوروبية‭ ‬العربية‭ ‬للمحامين‭ ‬والقانونيين‭ ‬بباريس،‮ ‬محكم‭ ‬دولي،‮ ‬مؤسس‭ ‬ورئيس‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والديمقراطية‭ ‬الليبي‮. ‬آسف،‮ ‬قريب‮ ‬نسيت‮ ‬أن‮ ‬إسمه‮ ‬الهادي‮ ‬شلوف‮. ‬وإذا‮ ‬كانت‮ ‬مؤهلاته‮ ‬الأكاديمية‮ ‬من‮ ‬نفس‮ ‬نوعية‮ ‬مؤهلاته‮ ‬الحزبية،‮ ‬فقل‮ ‬عليها‮ ‬السلام‮! ‬الغريب‮ ‬في‮ ‬الأمر‮ ‬أن‮ ‬السيد‮ ‬شلوف‮ ‬ذكر‮ ‬في‮ ‬إحدى‮ ‬شطحاته‮ ‬أن‮ ‬حزبه‮--‬الفردي‮ ‬آنذاك‮-- ‬يتعامل‮ ‬بلقب‮ (‬السيد‮) ‬و‮(‬السيدة‮) ‬فقط‮ ‬ولا‮ ‬يتعامل‮ ‬بألقاب‮ ‬مثل‮ (‬الأخ‮) ‬و‮(‬الأخت‮) ‬وغيرها‮ ‬من‮ ‬المفردات‮ ‬الملونة‮. ‬ولكن‮ ‬سيادته‮ ‬لا‮ ‬يمتنع‮ ‬ عن‮ ‬عرض‮ ‬ألقابه‮ ‬المهنية‮ ‬ضمن‮ ‬مساعيه‮ ‬التي‮ ‬تدفعها‮ ‬طموحات‮ ‬سياسية‮ (‬أو‮ ‬ظهورية‮) ‬لا‮ ‬مهنية‮. ‬وقد‮ ‬لاحظنا‮ ‬مؤخرا‮ ‬أن‮ ‬عضوية‮ ‬حزب‮ ‬شلوف‮ ‬نمت‮ ‬فجأة‮ ‬فبلغت‮ ‬ثلاثة‮ ‬أضعاف‮ ‬ما‮ ‬كانت‮ ‬عليه،‮ ‬بعد‮ ‬إنضمام‮ ‬عضوين‮،‮ ‬أحدهما‮ ‬السيد‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬موسى‮ ‬حسن،‮ ‬المتخصص‮ ‬في‮ ‬‮ ‬منصب‮ ‬نائب‮ ‬رئيس‮ ‬مجلس‮ ‬الإدارة‮ ‬أينما‮ ‬حل‮، ‬إلا‮ ‬في‮ ‬جوقة ‮ (‬يانا‮ ‬علي‮ ‬يا‮ ‬بريقتي‮) ‬حيث‮ ‬يضطلع بمهمة‮ ‬الشاوش‮. ‬طبعا،‮ ‬السيد‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬يذيل‮ ‬مقالاته‮ ‬المتكررة‮ ‬كما‮ ‬يلي‮:‬

أستاذ‮ ‬مشارك‮ ‬بجامعة‮ ‬تكساس‮ ‬الجنوبية‮ --‬ولكننا‮ ‬لم‮ ‬نجد‮ ‬له‮ ‬ذكرا‮ ‬على‮ ‬موقع‮ ‬الجامعة.

‬أستاذ‮ محاضر‮ ‬بكلية‮ --Alvin والأصح‮ ‬أن‮ ‬يترجمها‮ (‬معهد‮) ‬لأنها‮ ‬تخرج‮ ‬طلبتها‮ ‬بعد‮ ‬عامين‮ ‬بشهادة‮ (‬مرافق‮) ‬ولاتمنح‮ ‬شهادة‮ ‬بكالوريوس‮. ‬على‮ ‬فكرة،‮ ‬‬إسم‮ Alvin هكذا‮ ‬حاف‮ ‬يذكرنا‮ ‬بشخصية‮ ‬شهيرة‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬الرسوم‮ ‬المتحركة،‮ ‬وهو‮ ‬السنيجيب‮ ‬التحفون‮ ‬في‮ ‬الصورة‮ ‬المرفقة،

أستاذ‮ ‬محاضر‮ ‬بكلية‮ ‬مقاطعة‮ ‬هارس‮ ‬الشمالية‮-- ‬وربما الأصح‮ ‬ ‬شمال‮ ‬متصرفية‮ ‬هارس،‮ ‬لإن‮ ‬هارس‮ ‬إسم‮ ‮ ‬قطاع‮ ‬أكبر‮ ‬من‮ ‬مدينة‮ ‬وأصغر‮ ‬من‮ ‬ولاية،‮ ‬ولكن‮ المقاطعة ‬‮ ‬تعادل ‮ ‬الولاية،‮ ‬كما‮ ‬تستعمل‮ ‬مثلا‮ ‬في‮ ‬تفصيل‮ ‬كندا‮ ‬الجغرافي‮.‬

الخلاصة‮ ‬أن‮ ‬السيد‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬يعرض‮ ‬عناوين‮ ‬عمله‮ ‬في‮ ‬غير‮ ‬محلها،‮ ‬ورغم‮ ‬أنها‮ ‬معاهد‮ ‬وكليات‮ ‬غير‮ ‬رفيعة،‮ ‬فهي‮ ‬توهم‮ ‬الرعاع‮ ‬في‮ ‬ليبيا‮ ‬بأنه‮ ‬فلتة‮ ‬عصره‮ ‬الذي‮ ‬يعمل‮ ‬ليس‮ ‬في‮ ‬جامعة‮ ‬واحدة‮ ‬فحسب‮ ‬بل‮ ‬في‮ ‬جامعات‮ ‬وكليات‮ ‬في‮ ‬شمال‮ ‬تكساس‮ ‬وجنوبها‮. ‬الحقيقة‮ ‬أن‮ ‬الإرتباط‮ ‬الأكاديمي‮ ‬يخضع‮ ‬لمبدأ‮ (‬لو‮ ‬كان‮ ‬يحرث‮ ‬ما‮ ‬باعوه‮)‬،‮ ‬ولذلك‮ ‬تعدد‮ ‬جهات‮ ‬العمل‮ ‬الأكاديمي‮ ‬لايعتبر‮ ‬مؤشرا‮ ‬للنجاح‮ ‬والتفوق‮ ‬بل‮ ‬مؤشرا‮ ‬لعدم‮ ‬قدرة‮ ‬العامل‮ ‬على‮ ‬نيل‮ ‬منصب‮ ‬كامل‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬منها‮. ‬للأسف‮ ‬أن‮ ‬السيد‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬يضيع‮ ‬بإستعراضيته‮ ‬فرصة‮ ‬إستثمار‮ ‬موقعه‮ ‬لتقديم‮ ‬العبر‮ ‬والدروس‮ ‬والقيم‮ ‬الإنسانية‮ ‬الحقيقية‮ ‬الناجمة‮ ‬عن‮ ‬خبرته‮. ‬العمل‮ ‬الشريف‮ ‬ليس‮ ‬عيبا‮ ‬أينما‮ ‬كان،‮ ‬ولكن‮ ‬التفاخر‮ ‬في‮ ‬غير‮ ‬محله‮ ‬هو‮ ‬المشكل‮. ‬سيرة‮ ‬السيد‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬تقول‮ ‬أنه‮ ‬ترك‮ ‬ليبيا‮ ‬في‮ ‬أواسط‮ ‬العمر‮ ‬وهاجر‮ ‬بصحبة‮ ‬عائلة ‬إلى‮ ‬مصر‮ ‬ثم‮ ‬إنتقل‮ ‬إلى‮ ‬مدينة‮ ‬هيوستن‮ ‬وكدح‮ ‬في‮ ‬أعمال‮ ‬جانبية‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬تمكن‮ ‬من‮ ‬العودة‮ ‬إلى‮ ‬مجال‮ ‬التعليم‮ ‬الجامعي‮. ‬رصيد‮ ‬السيد‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬لايكمن‮ ‬في‮ ‬محلات‮ ‬عمله‮ ‬الآن،‮ ‬بل‮ ‬العبرة‮ ‬‮ ‬في‮ ‬خبرته‮ ‬وصعوبة‮ ‬المسار‮ ‬الذي‮ ‬شقه،‮ ‬لأن‮ ‬‬قوة الإنسان‮ ‬‮ تقاس ‬بشدة‮ ‬الأزمات‮ ‬التي‮ ‬يتغلب‮ ‬عليها‮،‮ ‬والفضيلة‮ ‬ضعيفة‮ ‬مالم‮ ‬تمتحن،‮ ‬كما‮ ‬يقال‮. ‬السيد‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬يملك‮ ‬أن‮ ‬يقدم‮ ‬للشباب‮ ‬الليبيين‮ ‬مثالا‮ ‬للمثابرة‮ ‬نحو‮ ‬الحرية‮ ‬وتقرير‮ ‬المصير،‮ ‬ومثالا‮ ‬للنهوض‮ ‬بعد‮ ‬الإنتكاس،‮ ‬وغيرها‮ ‬من‮ ‬القيم‮ ‬الإنسانية‮ ‬العظيمة‮ ‬التي‮ ‬يجهلها‮ ‬ويفتقرها‮ ‬شباب‮ ‬ليبيا‮ ‬بشكل‮ ‬عام‮. ‬ولكن‮ ‬هيهات‮...‬

مشكلة‮ ‬الألقاب‮ ‬واحدة‮ ‬من‮ ‬أعراض‮ ‬مرض‮ ‬متجذر‮ ‬في‮ ‬ثقافة‮ ‬ليبيا‮ ‬وجيرانها،‮ ‬قد‮ ‬تعود‮ ‬أصوله‮ ‬إلى‮ ‬مئات‮ ‬أو‮ ‬آلاف‮ ‬السنين‮. ‬

في‮ ‬أيام‮ ‬الصبا‮ ‬كنت‮ ‬أظن‮ ‬أن‮ ‬المشكلة‮ ‬منحصرة‮ ‬في‮ ‬الخطاب‮ ‬العقائدي‮\‬الأيديولوجي،‮ ‬خطاب‮ ‬المتثورين‮ ‬والمتدينين‮. ‬بعد‮ ‬إنقلاب‮ ‬القذافي‮ ‬إتفق‮ ‬المعسكران‮ ‬على‮ ‬مصطلح‮ (‬الأخ‮) ‬ليحل‮ ‬محل‮ ‬مصطلح‮ (‬السيد‮)‬،‮ ‬لأن‮ ‬هولاء‮ ‬العكعك‮ ‬يعتقدون‮ ‬أن‮ ‬كلمة‮ (‬سيد‮) ‬تنم‮ ‬عن‮ ‬مفهوم‮ ‬طبقي‮ ‬يعتمد‮ ‬التمييز‮ ‬بين‮ ‬من هو سيد‮ ‬ومن هو عبد،‮ ‬ولا‮ ‬يفهمون‮ ‬أنها‮ ‬تعني‮ ‬سيد‮ ‬على‮ ‬إرادته‮ ‬وقراره،‮ ‬سيد‮ ‬على‮ ‬خصوصيته‮ ‬وحرمته،‮ ‬أي‮ ‬أن‮ ‬لقب‮ ‬سيد‮ ‬يساوي‮ ‬إنسان‮ حر. ‬

والآن‮ ‬نرى‮ ‬بوضوح‮ ‬أن‮ ‬النظام‮ ‬ومعارضته‮ ‬تخرجوا‮ ‬من‮ ‬نفس‮ ‬المدرسة،‮ ‬مدرسة‮ ‬الثقافة‮ ‬الليبية،‮ ‬التي‮ ‬أضفت‮ ‬عليهم‮ ‬عديدا‮ ‬من‮ ‬القيم‮ ‬المشتركة‮. ‬على‮ ‬سبيل‮ ‬المثال،‮ ‬مراقب‮ ‬الإخوان‮ ‬المسلمين‮ ‬يدعى‮ ‬المهندس‮ ‬سليمان‮ ‬عبد‮ ‬القادر،‮ ‬والسيد‮ ‬إبراهيم‮ ‬إغنيوة‮ ‬يضيف‮ ‬لقب‮ ‬دكتور‮ ‬لإسمه‮ ‬ليجعل‮ ‬منه‮ ‬عنوانا‮ ‬لموقعه،‮ ‬والسيد‮ ‬محمد‮ ‬بويصير‮ ‬يلقي‮ ‬كلمة‮ ‬في‮ ‬مؤتمر‮ ‬الأقباط‮ ‬ثم‮ ‬يضيف‮ ‬لقب‮ ‬المهندس‮ ‬عندما‮ ‬ينشرها‮ ‬في‮ ‬المواقع‮ ‬الليبية،‮ ‬وسيف‮ ‬القذافي‮ ‬هو‮ ‬الآخر‮ ‬مهندس‮ ‬وأخته‮ ‬عائشة‮ ‬دكتورة‮ ‬بإجازة‮ ‬من‮ ‬جامعة‮ ‬ترهونة‮ ‬العريقة،‮ ‬ إلخ‮. هذا الغلو البدائي يشكل القاعدة لمفاهيم العنونة والإعلام والتعريف والحقيقة برمتها في الثقافة الليبية، ولا يتميز في ذلك جهاز إعلام الشلافطي القذافي عن باقي البراريك إلا بمقداره.

‬آخر‮ ‬نموذج‮ ‬طالعته‮ ‬من‮ ‬سفسطة‮ ‬التلقيب،‮ ‬أو‮ ‬سندويتشات‮ ‬الكلام،‮ ‬كان‮ ‬في‮ ‬محاولة‮ ‬السيد‮ ‬عيسى‮ ‬عبد‮ ‬القيوم‮ ‬تلخيص‮ ‬أهم‮ ‬أحداث‮ ‬العام‮ ‬الماضي،‮ ‬والتي‮ ‬ذكر‮ ‬فيها‮ ‬عددا‮ ‬من‮ ‬الشخصيات‮ ‬البارزة‮ ‬في‮ ‬براريك‮ ‬الغضب،‮ ‬مضيفا‮ ‬صورهم،‮ ‬ربما‮ ‬وقاية‮ ‬من‮ ‬عيون‮ ‬الحساد‮. ‬تفضلوا‮ ‬هذه‮ ‬العينة‮:‬


تهانينا‮ ‬الحارة‮ ‬للسيد‮ ‬علي‮ ‬أبو‮ ‬زعكوك‮ ‬بمناسبة‮ ‬حصوله‮ ‬على‮ ‬شهادة‮ ‬الدكتوراة‮ (‬الفخرية‮) ‬بتشريف‮ ‬من‮ ‬معالي‮ ‬صاحب‮ ‬السمو‮ ‬الفلكي،‮ ‬مولانا‮ ‬عيسى‮ ‬بن‮ ‬القيوم‮... ‬وهاهي‮ ‬باقة‮ ‬أخرى‮ ‬


‮ ‬وتهانينا‮ ‬للفقيد‮ ‬منصور‮ ‬الكيخيا‮ ‬على‮ ‬فوزه‮ ‬بتكريمات‮ ‬السيد‮ ‬عيسى،‮ ‬وإن‮ ‬تأخرت‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬عشرة‮ ‬أعوام‮ ‬بعد‮ ‬إختفاءه‮. ‬على‮ ‬فكرة،‮ ‬تنبه‮ ‬أنه‮ ‬حسب‮ ‬عرف‮ ‬صناعة‮ ‬سندويتشات‮ ‬الكلام،‮ ‬حرف‮ ‬الدال‮ ‬هو مختصر ‬لقب‮ ‬دكتور‮، ‬وكذلك الميم‮ ‬لمهندس‮ ‬والهمزة‮ ‬لأستاذ،‮ ‬والأخيرة‮ ‬لاتشترط‮ ‬أي‮ ‬مؤهلات‮ ‬تعليمية‮ ‬على‮ ‬حاملها‮ ‬إذا‮ ‬ بلغ‮ مطلقها ‬نصاب‮ ‬الجهل‮‮. ‬

في‮ ‬خضم‮ ‬تكلفه‮ ‬الذي‮ ‬جاوز‮ ‬الحدود،‮ ‬يضيف‮ ‬السيد‮ ‬عيسى‮ ‬نماذجا‮ ‬أخرى‮ ‬من‮ ‬النوع‮ ‬التالي‮:‬



وهنا‮ ‬نقدم‮ ‬نعازينا‮ ‬للسيد‮ ‬مصطفى‮ ‬قرقوم‮ ‬والسيد‮ ‬صابر‮ ‬مجيد،‮ ‬ولاحول‮ ‬ولا‮ ‬قوة‮ ‬إلا‮ ‬بالعقل‮. ‬لماذا‮ ‬لم‮ ‬يتكرم‮ ‬السيد‮ ‬عيسى‮ ‬عليهم حتى‮ ‬بهميزة‮ ‬على‮ ‬السطر‮ ‬وأورد‮ ‬هذه‮ ‬الأسماء‮ ‬طليسة‮ ‬مجردة؟‮ ‬ثم‮ ‬ماذا‮ ‬عن‮ ‬الحاج‮ ‬صابر،‮ ‬ألا‮ ‬يستحق‮ ‬إسمه‮ ‬حتى‮ ‬حرف‮ ‬حاء يحميه؟‮ ‬عيب‮ ‬عيب‮ ‬عيب‮!‬

المشكلة‮ ‬أكبر‮ ‬بكثير‮ ‬من‮ ‬مقالة‮ ‬عيسى‮ ‬عبد‮ ‬الكرموس‮ ‬أو‮ ‬غيره،‮ ‬فهذه‮ ‬جميعا‮ ‬أعراض‮ ‬مرض‮ ‬ثقافي‮ ‬شديد‮ ‬وهو‮ ‬تفتت‮ ‬الحس‮ ‬الجماعي‮ ‬لماهية‮ ‬الحقيقة‮. ‬عادة‮ ‬التغليف‮ ‬والتزوير‮ ‬قديمة‮ ‬جدا‮ ‬في‮ ‬ثقافتنا‮. ‬أنظر‮ ‬إلى‮ ‬أسماء‮ ‬الأعلام‮ ‬في‮ ‬الكتب‮ ‬القديمة‮ ‬وكيف‮ ‬تردم‮ ‬في‮ ‬سلسلة‮ ‬طويلة‮ ‬من‮ ‬الألقاب‮. ‬قلما‮ ‬يذكر‮ ‬الإسم‮ ‬مجردا‮ ‬على‮ ‬شكل‮ ‬فلان‮ ‬بن‮ ‬علان،‮ ‬إلا‮ ‬في‮ ‬سياق‮ ‬الهجاء‮. ‬أما‮ ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬سياق‮ ‬تبجيل‮ ‬وإحترام،‮ ‬إييييييه‮ ‬شن‮ ‬يحدها‮! ‬هو‮ ‬ذو‮ ‬الفضل‮ ‬والمكارم‮ ‬الشيخ‮ ‬الإمام‮ ‬أبو‮ ‬جعفر‮ ‬إبن‮ ‬أبي‮ ‬طاقية‮ ‬المكنى‮ ‬بالفظيع‮ ‬بن‮ ‬أبي‮ ‬الفظيع‮ ‬الأقطع‮ ‬الأقرع‮ ‬الجنفاوي‮ ‬الفرادي‮ ‬حجة‮ ‬عصره‮... ‬أشكون؟‮ ‬عاود‮ ‬من‮ ‬جديد‮! ‬

أعتقد‮ ‬أن‮ ‬الليبيين‮ ‬ينظرون‮ ‬للكلام‮ ‬المباشر‮ ‬على‮ ‬أنه‮ ‬نوع‮ ‬من‮ ‬الوحشية‮ ‬والفظظ،‮ ‬ولذلك‮ ‬يرون‮ ‬الإسم‮ ‬الشخصي‮ ‬مثل‮ ‬العورة‮ ‬التي‮ ‬يجب‮ ‬سترها‮ ‬وتغليفها،‮ ‬وهذا‮ ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬المسمى‮ ‬رجلا،‮ ‬أما‮ ‬المرأة‮ ‬فلاتعرف‮ ‬بإسمها‮ ‬على‮ ‬الإطلاق‮ ‬وإنما‮ ‬تعرف‮ ‬بالإضافة‮ ‬والتبعية‮ (‬حرم‮ ‬د‮. ‬فلان،‮ ‬إبنة‮ ‬أ‮. ‬علان،‮ ‬أم‮ ‬هذا‮ ‬الهفك،‮ ‬أو‮ ‬أرملة‮ ‬ذاك‮.) ‬في‮ ‬ليبيا،‮ ‬بدل‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬تداول‮ ‬الأسماء‮ ‬شيئا‮ ‬طبيعيا‮ ‬مثل‮ ‬شرب‮ ‬الماء،‮ ‬لايحتاج‮ ‬لمقدمات‮ ‬ولا‮ ‬مؤخرات،‮ ‬أصبحت‮ ‬المناداة‮ ‬مثل‮ ‬شرب‮ ‬النبيذ‮ ‬لايطيب‮ فيها الإسم ‬إلا‮ ‬بين‮ ‬فراش‮ ‬وغطاء‮.‬

في‮ ‬الختام،‮ ‬ومواكبة‮ ‬لأحداث‮ ‬الموسم،‮ ‬ننقل ‬لكم‮ ‬من‮ ‬طرائف‮ ‬الألقاب‮ ما‮ ‬ورد‮ ‬على‮ ‬لسان‮ ‬السيد‮ ‬نور‮ ‬الدين‮ ‬العزومي،‮ ‬طبال‮ ‬القذافي‮ ‬الفاطس،‮ ‬حين‮ ‬سأله‮ ‬الطبال‮ ‬الحي‮ ‬أحمد‮ ‬النويري‮ ‬أن‮ ‬يلقي‮ ‬قصيدة أعدها بعد ‬‬ذهابه‮ ‬للحج‮. ‬ فابتدأ العزومي بمقدمة أكل عيش قال فيها ‮ "‬ينصر‮ ‬الله‮ ‬الثورة‮ ‬اللي‮ ‬حججت‮ ‬الناس‮ ‬أكّل‮... ‬تو‮ ‬الليبيين‮ ‬ولوا كي‮ ‬البل‮ ‬المتعلمة‮ ‬بالعليف،‮ ‬إليا‮ ‬قلت‮ ‬يا‮ ‬حاج‮ ‬يتلفتوا‮ ‬كلهم‮." ‬كيخ‮ ‬كيخ‮ ‬كيخ‮! ‬وينصر‮ ‬الله‮ ‬عيسى‮ ‬عبد‮ ‬القيوم‮ ‬وأمثاله‮ ‬الذين‮ ‬تجاوزوا‮ ‬الثورة‮ ‬في‮ ‬كرم‮ ‬العليف‮ والتحريف فطالوا القطيع من النخبة إلى البزقليف.‬

ولعمنا‮ ‬مخضرم‮ ‬نصيحة‮: ‬لا‮ ‬تسبق‮ ‬المدفوف‮ ‬ولا‮ ‬تتبع‮ ‬المعلوف‮!


6 تعليقات:

إرسال تعليق

مواضيع مرتبطة

إنشاء رابط

عودة إلى المدخل