ديوان‮ ‬‮ ‬‮رفــ الحصانة ــع ‬

2010-01-18

رسائل من الأرض--٨

"الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يحمرّ خجلا. أو يضطر لذلك."

هذه ترجمة الرسالة الثامنة من سلسلة (رسائل من الأرض) للكاتب الأمريكي (مارك توين). يمكنكم الإطلاع على جميع الأجزاء المترجمة تحت تسمية (رسائل من الأرض)، و للإطلاع على النصوص الأصلية بالإنجليزية، نحيلكم إلى الموقع التالي.


by Mark Twain
© Harper & Row, 1962, 1974

_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/


الرسالة 8

الإنسان من دون أي شك هو الأحمق الأكثر إثارة للإهتمام في الوجود. كما أنه الأغرب أطوارا. لا يملك قانونا واحدا مكتوبا، سواء في كتابه المقدس أو خارجه، إلا وله غرض و هدف واحد -- الحد من أو هزيمة شريعة الله.

نادرا ما يمكنه أن يتناول حقيقة واضحة ويحصل منها على أي معنى إلا معنى خاطئ. لا سيطرة له على ذلك، إنها طريقة بناء ذلك اللبس الذي يسميه عقله. أنظر إلى الأمور التي يسلم بها، والإستنتاجات الغريبة التي يستمدها منها.

على سبيل المثال، هو يقر بأن الله صنع الإنسان. صنعه بدون رغبة الإنسان أو رضاه.

يبدو واضحا وبشكل لا يقبل الجدل أن هذا يجعل الله، والله بمفرده، مسؤولا عن أعمال الإنسان. ولكن الإنسان ينفي ذلك.

يعترف بأن الله قد جعل الملائكة كاملين، من دون عيب، ومحصنين ضد الألم والموت، وأنه كان قادرا أن يكون لطيفا بالمثل مع الإنسان لو أراد، لكنه ينفي أنه كان تحت أي قيد أخلاقي لفعل ذلك.

يعترف بأن الإنسان لا يملك الحق الأخلاقي ليصيب طفلا أنجبه بقسوة وحشية، وأمراض مؤلمة وموت، ولكنه يرفض الحد من إمتيازات الله من هذا النوع مع الأطفال الذين أنجبهم.

تشريعات الكتاب المقدس والإنسان تحظر القتل والزنا والعهر والكذب والخيانة والسرقة والإستبداد وغيرها من الجرائم، ولكنها تزعم أن الله في حل من هذه القوانين، وله الحق أن يخرج عنها متى يشاء.

يعترف بأن الله يطبع كل إنسان بطبعه وخليقته عند الولادة، و يقر بأن الإنسان لا يمكنه بأية عملية أن يغير هذا الطبع، بل عليه أن يظل دائما تحت هيمنته. وعلى رغم ذلك، إذا كان الطبع مليئا بالمشاعر المروعة عند إنسان ما، وخاليا منها عند إنسان آخر، فإنه من الصحيح والمعقول أن يعاقب الأول على جرائمه، ويكافأ الآخر لإمتناعه عن الجريمة.

هاكم -- ودعونا ننظر في هذه العجائب.

طبع (خُلق)

خذ طرفي نقيض في الطبع -- المعيز والسلاحف.

لم يصنع أي من هذه المخلوقات طبعه الخاص، بل هي مولودة بطباعها، مثلها مثل الإنسان، ولا يمكنها تغييرها أكثر مما يمكن الإنسان.

الطبع هو شريعة الله المكتوبة بيد الله ذاتها في قلب كل مخلوق ولابد أن تطاع، وسوف تطاع على الرغم من كل التشريعات التي تقيدها أو تمنعها، ولتصدر متى تصدر.

جيد جدا، الشهوة هي السمة الغالبة على طبع الماعز، شريعة الله في قلبه، ولابد أن يطيعها، وسوف يطيعها طوال اليوم لفترة طويلة في موسم التناسل، من دون توقف لتناول الطعام أو الشراب. إذا كان الكتاب المقدس قد قال للماعز: "لا تعهر، لاتزن"، حتى الإنسان -- الإنسان ذو الرأس النسيغ -- سيعترف بحماقة الحظر، ويهب أن الماعز يجب ألا يعاقب على طاعة شريعة خالقه. ومع ذلك هو يعتقد أنه من الحق والعدل أن يوضع الرجل في إطار الحظر. جميع الرجال. جميعهم على حد سواء.

هذا غباء بادي الرأي، لأنه، بناء على الطبع، وهو شريعة الله الحقيقية، كثير من الرجال يصنفوا كالتيوس ولا يمكنهم الإمتناع عن الزنا عندما تتوافر لهم فرصة، بينما هناك أعداد من الرجال الذين يمكنهم، بطبعهم، أن يحفظوا عفتهم ويتركوا الفرصة تمضي إذا كانت المرأة ناقصة جاذبية. ولكن الكتاب المقدس لا يسمح بالزنا على الإطلاق، سواء أكان الشخص قادرا على الإمتناع أو غير قادر. لا يسمح بأي تمييز بين الماعز والسلحفاة -- الماعز الهيوج، الماعز الإنفعالي، الذي لا بد له من بعض الزنا كل يوم أو يتلاشى ويموت؛ والسلحفاة، تلك المتزمتة الهادئة الباردة، التي تتمتع مرة واحدة فقط في عامين وتخلد إلى النوم في أثناءها، ولا تستيقظ لمدة ستين يوما. لا تأمن عنز واحدة من الاعتداء الاجرامي، حتى (يوم السبت)، عندما يتواجد تيس شهم في مدى ثلاثة أميال في إتجاه الريح منها، وليس في طريقه إلا سور علوه أربعة عشر قدما، بينما لا يكون السيد السلحف ولا السيدة السلحفاة أبدا جياعا لمتع الزنا الرسمية بما يبرر نقض السبت للحصول عليها. الآن، وفقا لمنطق الإنسان العجيب، الماعز جنى العقاب، والسلحفاة الثناء.

"لا تزن" هو أمر لا يفرق بين الأشخاص التالي ذكرهم، وهم جميعا مطالبون بأن يطيعوه:

الأطفال عند ولادتهم.

الأطفال في المهد.

أطفال المدارس.

الفتيان والفتيات.

البالغون حديثا.

الأكبر سنا.

الرجال والنساء في سن 40.

في 50.

في 60.

في 70.

في 80.

في 90.

في 100.

الأمر لا يوزع ثقله بالتساوي، ولا يمكنه ذلك.

ليس أمرا صعبا على الثلاث مجموعات من الأطفال.

هو صعب -- أصعب -- فأصعب على المجموعات الثلاث اللاحقة -- صعب بقسوة.

وهو مخفف بمباركة على الثلاث مجموعات اللاحقة.

إلى هنا حقق الأمر كل الأضرار التي يمكنه تحقيقها، وقد يكون حريا بإسقاط تفويضه. ولكنه يُحفظ ببلاهة كوميدية، وتوضع المجموعات الأربعة المتبقية تحت حظره الساحق. مساكين هؤلاء الحطامات القديمة، لا يمكنهم العصيان ولو حاولوا. ثم فكّر -- على إمتناعهم بتقوى عن معاهرة بعضهم البعض، هم يجنون الثناء! وهذا هراء، لأنه حتى الكتاب المقدس يعرف ما يكفي ليعلم أن أكبر هؤلاء المخضرمين سنا لو يستعيد مجده المفقود لمدة ساعة سوف يلقي بذلك الأمر للرياح ويخرب أول امرأة في طريقه، وإن كانت غريبة عليه بالكامل.

كما قلت: كل تشريع في الكتاب المقدس وفي كتب القانون هو محاولة للتغلب على شريعة الله -- وبعبارة أخرى، شريعة الطبيعة التي لا تتغير ولا تتدمر. إله هؤلاء الناس أظهر لهم بمليون من الأعمال أنه لا يحترم أيا من قوانين الكتاب المقدس. وهو نفسه يخرج عن كل واحد منها، الزنا، والجميع.

شريعة الله، حسبما يتجلى بوضوح تام في بنية المرأة، هي هذه: لن يوجد حد لتواصلك مع الجنس الآخر جنسيا، في أي وقت من الحياة.

وشريعة الله، حسبما يتجلى بوضوح تام في بنية الرجل هي هذه: ستظل طوال حياتك تحت حدود وقيود لا تلين، جنسيا.

خلال ثلاثة وعشرين يوم من كل شهر (في غياب الحمل) منذ أن تبلغ المرأة سبعة أعوام حتى وفاتها في سن الشيخوخة، هي جاهزة للعمل، ومؤهلة. هي مؤهلة مثلما يكون الشمعدان مؤهلا لاستقبال الشمعة. مؤهلة كل يوم، ومؤهلة كل ليلة. كما أنها ترغب تلك الشمعة -- تتوق لها، تشتاق لها، كما أُمرت بشريعة الله في قلبها.

أما الرجل فهو مؤهل فقط لفترة وجيزة، وعندها فقط بأقل قياس يمكن أن ينطبق على الكلمة بالنسبة لجنسه. هو مؤهل ابتداء من سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة ومن ثم لاحقا لخمسة وثلاثين عاما. بعد الخمسين فعله يكون من نوع رديء، الفترات الفاصلة طويلة، والرضا المكتسب ليس له قيمة عالية لأي من الطرفين، في حين أن جدته تكون جيدة كما لو كانت جديدة. لا توجد مشكلة في مصنعها. شمعدانها مشتد مثل أي وقت مضى، بينما شمعته تزداد لينا وضعفا من هلاك العمر، وبمر السنين، إلى أن أخيرا لا تعد قادرة على الإنتصاب، وبشكل حزين توارى الثرى على أمل في بعث مبارك لن يأتي أبدا.

بحكم تركيبة المرأة، مصنعها يجب أن يكون عاطلا مدة ثلاثة أيام في الشهر، وخلال جزء من فترة الحمل. هذه أوقات أوجاع، وغالبا أوقات معاناة. ولتعويضها بإنصاف وعدل يكون لها الإمتياز العالي من زنا بلا حدود سائر أيام حياتها.

تلك هي شريعة الله، كما تنكشف في بنيتها. ماذا يحدث لهذا الإمتياز العالي؟ هل تعيش حياتها تتمتع به بحرية؟ لا. ولا في أي مكان في العالم بأسره. لقد سُلب منها في كل مكان. من يفعل هذا؟ الرجل. تشريعات الرجل -- إذا كان الكتاب المقدس كلام الله.

الآن لديكم عينة من "قوى المنطق" عند الرجل، كما يسميها. هو يلاحظ حقائق معينة. على سبيل المثال، أنه في كل حياته لا يشهد أبدا يوما يستطيع فيه أن يرضي امرأة واحدة؛ أيضا، أنه لا تشهد امرأة يوما لا يمكنها فيه أن تنهك، وتهزم، وتضع خارج التفويض أية عشرة من المصانع المذكرة التي يمكن أن تطرح لها على سريرها.[*] الرجل يجمع تلك الحقائق الموحية والمضيئة بشكل لافت، ومنها يخلص إلى هذه النتيجة المذهلة: الخالق أراد للمرأة أن تقتصر على رجل واحد.

وهكذا يجسد هذا الإستنتاج الفريد في صيغة قانون، من أجل الخير وكل ذلك.

ويفعل ذلك دون التشاور مع المرأة، رغم أن ما لها على المحك أكثر بألف مرة مما يخصه في هذه المسألة. أهليته للتكاثر محدودة بمتوسط يساوي مائة جولة سنويا لمدة خمسين عاما، وأهليتها صالحة لثلاث آلاف جولة في السنة طوال ذلك الوقت -- وبما قد يزيد من أعوام عمرها. وبالتالي مصلحة العمر بالنسبة له في هذا الشأن هي خمسة آلاف إنتعاش، بينما مصلحتها مائة وخمسون ألف، ومع ذلك بدلا من أن يترك صنع القانون بنزاهة وشرف لصاحبة المصلحة الساحقة فيه، هذا الخنوص الجائر الذى لا يقاس، والذي ليس له على المحك ما يستحق النظر، يصنعه بنفسه!

لقد تبين لكم حتى الآن، من خلال تعليماتي، أن الرجل أحمق؛ وأنتم الآن على علم بأن المرأة حمقاء لعينة.

الآن، إذ كنتم أو كان أي شخص آخر عاقل حقا بصدد ترتيب النزاهة والعدل بين الرجل والمرأة، فقد تمنحوا الرجل حصة من خمسين في امرأة واحدة، وللمرأة حريم. أولن تفعلوا؟ بالضرورة. وأشهد لكم أن هذا المخلوق بشمعته المتهالكة قد رتب الأمور في الاتجاه الآخر بالضبط. سليمان، الذي كان أحد المفضلين عند الألهة، كان له مجلس جماع يتألف من سبعمائة زوجة وثلاثمائة جارية. حتى حفاظا على حياته، لم يكن قادرا أن يداوم على إنعاش إثنتين من هذه المخلوقات الفتية بصورة مرضية، ولو كان معه خمسة عشر خبيرا لمساعدته. بالضرورة جميع الألف تقريبا كان عليهن أن يمضين سنينا وسنين في معاناة الجوع. تصور أن رجلا يملك من غلظة القلب ما يكفيه ليشهد يوميا على كل تلك المعاناة ولا يحرك ساكنا للتخفيف من حدتها. بل أنه تعمد إضافة ألم حاد لهذا البؤس الشجي لإنه أبقى دائما على مرأى من تلك النساء حراسا أشداء بأجساد ذكورية رائعة سيّلت لعاب أولئك االسيدات المسكينات، ولكنهم لم يملكوا شيئا لعزاء الشمعدان، كون هؤلاء السادة خصيان. والخصي هو الشخص الذي أخمِدت شمعته. صناعيا.[**]

من وقت لآخر، بينما أمضي قدما، سأتناول تشريعا من الكتاب المقدس وأبين لكم أنه دائما ينتهك إحدى شرائع الله، ومن ثم يتم استيراده إلى كتب قوانين الأمم، حيث يواصل انتهاكاته. لكن تلك الأمور ستبقي، ولا عجل.

_________________________

* ملاحظة : في جزر الساندويتش في عام 1866 توفيت أميرة ناهدة. وكان في جنازتها على منصة التشريف المتميز ستة وثلاثون من الشباب المحليين الذين يتمتعون ببنية رائعة. وفي أغنية مديح احتفت بمختلف المزايا والأعمال والإنجازات التي حققتها تلك الأميرة الراحلة ورد ذكر الفحول الستة والثلاثين تحت مسمى حريمها، والأغنية قالت انها كانت تتفاخر وتتباهى بأنها شغلتهم جميعا، وفي عدة أحيان أن أكثر من واحد منهم نالوا أجورا على أوقات عمل إضافي. [م. ت]

** ملاحظة : أنا عازم على نشر هذه الرسائل هنا في العالم قبل أن أعود إليكم. طبعتان. واحدة، بدون مراجعة، لقراء الكتاب المقدس وأولادهم، والأخرى مطهرة للناس المثقفين. [م. ت.]

التسميات: ,

10 تعليقات:

إرسال تعليق

مواضيع مرتبطة

إنشاء رابط

عودة إلى المدخل