ديوان‮ ‬‮ ‬‮رفــ الحصانة ــع ‬

2009-12-11

رسائل من الأرض--٧

"الكذبة يمكن أن تصل إلى نصف العالم بينما تلبس الحقيقة حذائها."


هذه ترجمة الرسالة السابعة من سلسلة (رسائل من الأرض) للكاتب الأمريكي (مارك توين). يمكنكم الإطلاع على جميع الأجزاء المترجمة تحت تسمية (رسائل من الأرض)، و للإطلاع على النصوص الأصلية بالإنجليزية، نحيلكم إلى الموقع التالي.


Letters From The Earth
by Mark Twain
© Harper & Row, 1962, 1974


_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/

الرسالة 7


نوح وعائلته نجوا -- إن أمكن أن يسمى ذلك ميزة. أنا أرمي الـ (إن) لأنه لم يوجد أبدا شخص عاقل بلغ الستين من العمر ورضي أن يعيش حياته من جديد، أو حياة أي شخص آخر. الأسرة نجت، نعم، ولكنهم لم يكونوا مرتاحين، لأنهم كانوا ملآنين بالميكروبات. ملآنون إلى الحواجب، ثخناء بهم، بدناء بهم، ومنتفخون مثل البالونات. كانت حالة غير مقبولة، ولكن لا يمكن تجنبها، لأنه كان لا بد من إنقاذ ما يكفي من الجراثيم لإمداد أجناس البشر في المستقبل بالأمراض الفتاكة، ولم يكن على متن السفينة سوى ثمانية أشخاص ليكونوا بمثابة فنادق لهم. الجراثيم كانت إلى حد بعيد أهم جزء من حمولة السفينة، والجزء الذي كان الخالق أكثر قلقا عليه وإفتتانا به. كان لا بد لها من تغذية جيدة ومسكن لطيف. كانت هناك جراثيم التيفود وجراثيم الكوليرا وجراثيم داء الكلب، وجراثيم الكزاز، وجراثيم السل، وجراثيم الطاعون الأسود، وبضعة مئات من الأرستقراطيين الأخرين، إبداعات نفيسة بشكل خاص، حاملات مذهّبة لمحبة الله للإنسان، وهدايا مباركة من الأب المفتون لأولاده -- وكلها كان لا بد لها من مأوى فاخر وترفيه ثري، فسكنوا في أفضل الأماكن التي وفرتها بواطن الأسرة: في الرئتين، في القلب، في الدماغ، في الكلى، في الدم، في الأحشاء، وبشكل خاص في الأحشاء. المصران الغليظ كان المنتجع المفضل. هناك تجمعوا، بلايين لا تحصى، وعملوا، وتغذوا، وتلووا، وأنشدوا ترانيم الحمد والشكر، و في الليل عندما يعم الهدوء يمكنك سماع خريرهم الخافت. المصران الغليظ كان في واقع الأمر جنتهم. إنهم رصّوه رصّا؛ وجعلوه جامدا كملف من أنابيب الغاز. كانوا يفتخرون بذلك. ونشيدهم الرئيسي أشار إليه بإمتنان:
إمساك يا إمساك
أجهر الصوت البهيج
إلى أن أقصى مصارين الإنسان
يسبح بإسم خالقه

الأوجاع التي وفرتها السفينة كانت عديدة ومتنوعة. الأسرة كانت مضطرة أن تعيش مع الحيوانات الحشيدة، وأن تستنشق العفن المؤلم الصادر عنها، وأن تُصم آذانها ليلا ونهارا بالضجيج الرعدي من زئير وعواء؛ وإضافة إلى هذه المضايقات التي لا تطاق، كان المكان مزعجا للسيدات بتميز، لأنهن لا يمكن أن ينظرن في أي إتجاه دون أن يرين بضعة آلاف من المخلوقات المنهمكة في التكاثر وتعويض المفقود. وبعد ذلك، كان هناك الذباب. تدفق في كل مكان، واضطهد الأسرة طوال اليوم. وكان الذباب أول الحيوانات قياما، في الصباح، وآخرها نياما، في الليل. ولكن قتلهم حرام، وحرام أن يصابوا بأذى، كانوا مقدسين، مصدرهم إلهي، وكانوا حيوانات الخالق الأليفة بتميز، محبوباته.

مع مرور الزمن تم توزيع باقي المخلوقات هنا وهناك على الأرض -- مبعثرة: النمور للهند، الأسود والفيلة للصحراء الخالية وللأماكن الخفية في الغابة، والطيور لأقاليم غير محدودة من الفضاء الخالي، والحشرات لمناخ أو آخر، وفق الطبيعة والمتطلبات، أما الذبابة؟ لا جنسية لها؛ جميع المناخات أوطانها، وكل العالم مقاطعتها، وجميع المخلوقات التي تتنفس فريستها، وعليهم جميعا هي بلاء وجحيم.

عند الإنسان هي سفير إلهي، وزير مفوض، والممثل الخاص للخالق. إنها تزعجه في المهد؛ تتعلق جماعات بأجفانه اللزجة؛ تطن وتلدغه وتغير عليه فتسلب منه نومه ومن أمه المنهكة قوتها في تلك الإعتصامات المديدة التي تخصصها لحماية طفلها من إضطهادات هذه الآفة. الذبابه تغير على المريض في بيته، في المستشفى، حتى على فراش الموت في آخر رمق. تضايقه في وجباته؛ تتصيد مسبقا المرضى الذين يعانون من الأمراض الفتاكة الكريهة؛ تخوض في قروحهم، وتلطخ سيقانها بمليون جرثومة قاتلة، ثم تأتي لمائدة ذلك الرجل السليم وتمسح هذه الأشياء على الزبدة وتفرغ حمل أمعائها من جراثيم التيفود والبراز على كعك العجين. الذبابة المنزلية تحطم من الكيانات البشرية وتدمر من الأرواح أكثر من حشود الله المجتمعة من رسل البؤس ووكلاء الموت.

سام كان ملآنا بالديدان الشصية (الأنكلستوما). إنها رائعة، تلك الدراسة الدقيقة والشاملة التي خصصها الخالق للعمل العظيم على جعل الإنسان بائسا. قلت سابقا أنه خصص وكيل أذى لكل صغيرة في هيكل الإنسان، لم يغفل على واحدة، وقد قلت الحقيقة. كثير من الفقراء يضطروا للمشي حفاة، لأنهم لا يملكوا ثمن الأحذية. الخالق رأى فرصته. وأضيف عابرا أنه دائما عينه على الفقراء. تسعة أعشار إختراعاته المرضية تستهدف الفقراء، وتصيبهم. الميسورة أحوالهم يتحصلوا فقط على ما تبقى. لا تظنوا أن كلامي تهورا، لأنه ليس كذلك: معظم إختراعات الخالق المؤذية مصممة خصيصا لاضطهاد الفقراء. يمكنكم إستنتاج ذلك من أن واحدا من أروع أسماء الخالق وأكثرها شيوعا على المنابر هو "ولي الفقراء". لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تثني المنابر على الخالق بصفة تحمل في طياتها حتى أثرا من الحقيقة. الفقراء ألد أعدائهم وأشدهم هو (أبوهم في السماء). صديق الفقراء الحقيقي الوحيد هو زميلهم الإنسان. يتأسف لهم، يشفق عليهم، ويظهر ذلك في أعماله. يعمل الكثير ليخفف الأسى عنهم، وفي كل حالة ينسب الفضل للأب في السماء.

والحال كذلك تماما بالنسبة للأمراض. إذا أباد العلم مرضا كان يعمل لصالح الله، فإن الله هو من يتلقى الثناء، وجميع المنابر تباشر بنشوات دعائية ممتنة وتلفت الانتباه إلى وفرة خيره! نعم، هو من فعل. ربما انتظر ألف سنة قبل أن يفعل. لا شيء في ذلك؛ المنبر يقول انه كان يفكر في ذلك كل الوقت. عندما ينهض رجال غاضبون ويمسحوا حقبة من الإستبداد ويحرروا وطنا، فإن أول ما يفعله المنبر المسرور هو الدعاية بأنه عمل الله، ويدعو الناس أن يخروا على أركابهم وأن يريقوا له الشكر. ويقول المنبر بعاطفة معجبة، "فليعي الطغاة أن العين التي لا تنام مسلطة عليهم، وليتذكروا أن الله ربنا لن يمهلهم أبدا، بل سيطلق زوابع غضبه عليهم في يومه المختار."

فاتهم أن يذكروا أنه أبطأ متحرك في الكون؛ أن عينه التي لا تنام، سواء قد تكون لو فعلت، لأنها تستغرق قرنا من الزمن لترى ما تراه أي عين أخرى في غضون أسبوع، وأنه في كل التاريخ لا يوجد مثال واحد كان فيه أول من فكر في عمل نبيل، ولكنه دوما فكر فيه مباشرة بعد أن كان شخص آخر قد فكر فيه وقام به. يأتي عندئذ ويستولى على العائد.

جيد جدا، ستة آلاف سنة مضت كان سام ملآنا بالديدان الشصية، المجهرية في حجمها، وغير مرئية بالعين المجردة. جميع العاملين للخالق على إنتاج الأمراض القاتلة بتميز يكونوا غير مرئيين. إنها فكرة عبقرية، لآلاف السنين حالت دون وصول الإنسان إلى جذور أمراضه، وأحبطت محاولاته للسيطرة عليها. وحديثا جدا أن العلم قد نجح في الكشف عن بعض هذه الخيانات.

أحدث هذه الانتصارات المباركة للعلم هو اكتشاف وتحديد هوية القاتل المباغت المسمى الدودة الشصية (الانكلوستوما). فريستها المميزة هم الفقراء الحفاة. تتربص بهم في الأقاليم الدافئة والأماكن الرملية وتحفر طريقها إلى داخل أقدامهم العارية.

وقد تم اكتشاف الدودة الشصية منذ سنتين أو ثلاث على يدي طبيب واظب طويلا على دراسة ضحاياها. المرض الناتج عن الدودة كان قد زاول أعماله الشريرة هنا وهناك على الأرض منذ أن هبط سام على جبل أرارات، ولكن لم يُشتبه في كونه مرض على الإطلاق. الناس الذين أصيبوا به، كان من المفترض أنهم مجرد كسالى، ولذلك تم إحتقارهم والإستهزاء بهم، عندما كان ينبغي التماس العذر لهم. إن الدودة إختراع متسلل ومتستر بشكل خاص، وقد أدت دورها السري على مر العصور دون عائق؛ لكن ذاك الطبيب وأعوانه سوف يبيدوها الآن.

الله وراء هذا الأمر. لقد أمضى ستة آلاف سنة يفكر فيه، ويصنع قراره. فكرة إبادة الدودة كانت فكرته. وكان على وشك تنفيذها قبل الدكتور (تشارلز واردل ستايلز). لكنه حاضر في الوقت المناسب لنيل الثناء. هو دائما كذلك.

ستكون التكلفة مليون دولار. وربما كان يعمل على التبرع بذلك الكم عندما إندفع أمامه إنسان -- كما هو معتاد. السيد روكفلر. هو الذي قدم المليون، ولكن الفضل سيذهب إلى مكان آخر -- كما هو معتاد. جريدة هذا الصباح تخبرنا بشيء عن عمليات الدودة الشصية:
الطفيليات الشصية عادة ما تخفض حيوية المصابين إلى درجة التخلف في نموهم البدني والعقلي، ما يجعلهم أكثر عرضة لأمراض أخرى، ويجعل العمالة أقل كفاءة، والمناطق التي يكون فيها المرض أكثر الإنتشار تشهد إزديادا حادا في معدل الوفيات من السل، والالتهاب الرئوي وحمى التيفود والملاريا. ولقد ثبت أن إنخفاض حيوية الكثيرين، والذي طالما ظل مردودا إلى الملاريا والمناخ، ومؤثرا خطيرا على التنمية الاقتصادية، أنه في الواقع ناتج عن هذه الطفيلية في بعض المناطق. هذا المرض لا ينحصر في أية طبقة اجتماعية بمفردها، بل يجبي ضرائبه من معاناة وموت ممن لهم قدر عال من الذكاء والثراء، وكذلك من الأقل حظا. ومن المقدر أن الملايين من أبناء شعبنا متأثرون بهذه الطفيلية. المرض أكثر إنثسار وأكثر خطورة بين الأطفال في سن المدارس من غيرهم.
على رغم انتشار الإصابة على نطاق واسع ورغم خطورتها، لا تزال هناك احتمالات مشجعة للغاية. هذا المرض يمكن التعرف عليه بسهولة، ومعالجته بسهولة وفعالية، وبوقايات تطهيرية بسيطة وسليمة يمكن تجنبه بنجاح [بعون الله].

الأطفال المساكين ترعاهم العين التي لا تنام. وكان لهم ذلك الحظ السيء في جميع العصور. هم و "فقراء الرب" -- كما تقول العبارة الساخرة -- لم يتمكنوا أبدا أن يفلتوا من رعايات تلك العين.

نعم، الفقراء، البسطاء، والجهلاء -- هم الذين يصابون. خذ "مرض النوم" في افريقيا. هذه القسوة الفظيعة تتخذ ضحايا من جنس من الجهلة السود الأبرياء، الذين وضعهم الله في بر قاصي، والتفتت لهم عينه الأبوية -- تلك التي لا تنام عندما تتواجد فرصة لتوليد الأسى لشخص ما. لقد رتب الأمور لهؤلاء الناس قبل الطوفان. الوكيلة المختارة كانت ذبابة، قريبة الـ (تسي تسي)؛ وذبابة تسي تسي هي التي تسود بلاد الزامبيزي وتلسع المواشي والخيول حتى الموت، ما يجعل هذه المنطقة غير صالحة لسكن الإنسان. قريبة ذبابة تسي تسي المريعة تودع جرثومة تسبب مرض النوم. وقد كان حام مملوءا بهذه الجراثيم، وعندما انتهت الرحلة سرحها في أفريقيا وبدأ الدمار، ولم يتم العثور على حل إلى أن إنقضت ستة آلاف سنة وإلى أن شق العلم طريقه داخل السر مطاردا سبب المرض. الأمم التقية الآن يشكرون الله ويحمدونه على قدومه لإنقاذ زنوجه المساكين. المنبر يقول أن الحمد يحق له. وهو بالتأكيد كائن غريب. فهو يرتكب جريمة مرعبة، ويواصل تلك الجريمة دون انقطاع لمدة ستة آلاف سنة، وبعد ذلك يحق له الثناء لأنه يقترح على شخص آخر أن يعدل شدتها. إنه يسمى الحليم، وبالتأكيد هو حليم، أو لكان قد أغرق المنابر في الخراب منذ عصور بسبب المديح المروع الذي يغدقونه عليه.

هذا ما يقوله العلم عن مرض النوم، أو ما يسمى عدا ذلك خمود الزنوج:
يتسم المرض بفترات من النوم متكررة على التوالي. المرض يستمر من أربعة أشهر إلى أربع سنوات، ودائما يؤدي إلى الوفاة. الضحية يبدو أولا منهكا، ضعيفا، شاحب اللون، وغبيا. أجفانه تتورم، ويظهر على جلده طفح. يأخذه النوم بينما يكون يتحدث، أو يأكل، أو يعمل. ومع تقدم المرض تصعب تغذية المريض ويصيبه الهزال. فشل التغذية وظهور القروح السريرية تتبعهما التشنجات والموت. بعض المرضى يصابوا بالجنون.
إن من تدعوه الكنيسة والناس (أبانا في السماء) هو الذي اخترع الذبابة وأرسلها لتشن هذا البؤس والحزن والشقاء الكئيب المديد، ولتفسد الجسد والعقل على بدائي مسكين لم يمس (المجرم العظيم) بضرر. لا يوجد في العالم إنسان لا يتأسف على معاناة الزنجي المسكين، ولا يوجد إنسان يمكن أن يمتنع عن جبره إذا استطاع. للعثور على الشخص الوحيد الذي لا يحمل له أية شفقة، عليك الذهاب الى الجنة؛ للعثور على الشخص الوحيد القادر على إشفاءه، ولا يمكن إقناعه بذلك، لا بد أن تذهب الى نفس المكان. هناك فقط أب واحد قاسي بما يكفي لإصابة طفله بهذاالمرض المريع -- واحد فقط. ولا جميع الآباد يمكنها ان تنتج آخرا. هل يروق لكم الإستياء الشعري المؤنب المطلق بدفء؟ إليكم واحد حار من قلب عبد:
وحشية الإنسان على الإنسان
تجعل آلافا لا تحصى في حداد!

سأحكي لكم قصة سارة فيها لمسة من رثاء. رجل أصابه الدين، فسأل الكاهن عما يجب عليه فعله ليكون جديرا بمنصبه الجديد. قال الكاهن "عليك أن تقلد (أبانا في السماء) وتعلم أن تكون مثله". الرجل درس كتابه المقدس بعناية ودقة وتفهم، بعد ذلك، ومع الدعاء بالهداية السماوية باشر في تقليداته. خدع زوجته ليسقطها إلى الطابق السفلي، فكسرت ظهرها وأصبحت مشلولة مدى الحياة، خان أخاه وسلمه في أيدي نصاب سلب منه كل ما له ورماه في بيت الفقراء، ولقح واحدا من أبناءه بديدان الأنكلستوما، وآخرا بمرض النوم، وآخرا بالسيلان، أعد إحدى بناته بالحمى القرمزية وقادها إلى سن المراهقة صماء بكماء وعمياء على مدى الحياة، وبعد أن ساعد وضيعا في فتن إبنته الأخرى، صد أبوابه في وجهها، وماتت تلعنه في ماخور. ثم أبلغ الكاهن، الذي قال إن ذلك السلوك ليس طريقا لمشابهة والده في السماء. فتسائل الرجل عن مواضع فشله، ولكن الكاهن غير الموضوع سائلا الرجل عن حالة الطقس، فوق في إتجاهه.


التسميات: ,

4 تعليقات:

إرسال تعليق

مواضيع مرتبطة

إنشاء رابط

عودة إلى المدخل