ديوان‮ ‬‮ ‬‮رفــ الحصانة ــع ‬

2010-10-01

رسائل من الأرض--(١٠)

(في الحقيقة، ما نريده الآن ليس قوانين لمكافحة الجريمة بل قانون لمكافحة الجنون.)


هذه ترجمة الرسالة العاشرة من سلسلة (رسائل من الأرض) للكاتب الأمريكي (مارك توين). يمكنكم الإطلاع على جميع الأجزاء المترجمة تحت تسمية (رسائل من الأرض)، و للإطلاع على النصوص الأصلية بالإنجليزية، نحيلكم إلى الموقع التالي.


by Mark Twain
© Harper & Row, 1962, 1974

_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/_/


الرسالة 10*

العهدان مثيران للإهتمام، كل بشكله الخاص. القديم يعطينا صورة لإله هؤلاء الناس كما كان قبل أن يصيبه الدين، والآخر يعطينا صورة له كما بدا فيما بعد. العهد القديم مهتم أساسا بالدم والشهوانية. والجديد بالخلاص. خلاص بالنار.

أول مرة نزل الإله إلى الأرض، جلب الحياة والموت؛ وعندما جاء للمرة الثانية، جلب الجحيم.

الحياة لم تكن هدية قيمة، ولكن الموت كان. الحياة كانت حلم حمّى يتكون من أفراح تكدرها الأحزان، متعة مسمومة بالألم، حلم كان خلطا كابوسيا من مسرات متقطعة عابرة، نشوات، ابتهاجات، سعادات، تتخللها آماد طويلة من مآسي، أحزان، مخاطر، أهوال، خيبات أمل، هزائم، إهانات، واليأس -- أعنف لعنة يمكن ابتكارها بالبراعة الإلهية؛ ولكن الموت كان حلوا، الموت كان رقيقا، الموت كان حنونا؛ الموت أشفى الروح المكدومة والخاطر المكسور، ومنحهما الراحة والنسيان؛ الموت كان أفضل صديق للإنسان، عندما لم يعد الإنسان قادرا أن يتحمل الحياة، جاء الموت واطلق سراحه.

مع مرور الزمن، أدرك الإله أن الموت كان خطأ؛ خطأ، لأنه لم يكن كافيا؛ غير كافي، وذلك لأنه على رغم كونه وسيلة معجبة لإلحاق البؤس بالناجين، فقد سمح للشخص الميت نفسه أن يهرب من الاضطهاد المستمر إلى ملجأ القبر المبارك. ولم يكن ذلك مرضيا. لابد من إبتكار طريقة لملاحقة الموتى إلى ما وراء القبر.

الإله فكر مليا في هذه المسألة لمدة أربعة آلاف سنة دون جدوى، ولكن بمجرد أن نزل إلى الأرض وأصبح مسيحيا عقله صفا وعرف ماذا يفعل. لقد اخترع الجحيم، وأعلن عنه.

الآن ثمة شيء غريب. يعتقد الجميع أنه حين كان في السماء كان صارما، صعبا، ممتعضا، حسودا، وقاسيا؛ ولكنه عندما نزل إلى الأرض وانتحل اسم عيسى المسيح صار على عكس ما كان من قبل: أي أنه بعبارة أخرى أصبح حلوا، رقيقا، رحيما، غفورا، وكل القسوة اختفت من طبيعته وحل محلها حب عميق وتواق لأبناءه البشريين المساكين. في حين أنه بصفة عيسى المسيح هيأ الجحيم وأعلن عنه!

وهذا يعني، أنه بصفة المنقذ الوديع اللطيف كان ألف مليار مرة أقسى مما كان في العهد القديم -- أه، أبشع بقدر لا يقاس من أسوأ احواله في تلك الايام الخوالي!

وديع ولطيف؟ سوف ندرس هذه السخرية الرائجة لاحقا على ضوء الجحيم الذي اخترعه.

ولئن كان صحيحا أن قصب السبق في العداوة يجب أن يمنح لعيسى، مخترع الجحيم، فهو كان شديدا وغير لطيف بما يكفي لجميع الأغراض الإلهية حتى قبل ان يصبح مسيحيا. لا يبدو أنه توقف أبدا ليفكر أنه هو الجدير باللوم عندما يخطأ الإنسان، بحكم ان الإنسان كان فقط يتصرف وفقا للطبع الذي أصابه به. كلا، لقد عاقب الإنسان، بدلا من معاقبة نفسه. وعلاوة على ذلك، فإن العقوبة عادة ما كانت أكبر من الجريمة. وفي كثير من الأحيان أيضا وقعت، لا على مقترف الإثم، ولكن على شخص آخر-- رجل زعيم، رئيس القوم، على سبيل المثال.

  • وأقام إسرائيل بشطيم، وأخذ الشعب يزني مع بنات مؤاب.

  • فقال الله لموسى: خذ جميع زعماء القوم واشنقهم أمام الله قبالة الشمس، لينصرف غضب الله العنيف عن إسرائيل
هل يبدو لكم ذلك عادلا؟ لا يبدو أن "زعماء القوم" قد تحصلوا على أي شيء من الزنا، ومع ذلك هم من يشنقون، بدلا من "القوم".

وإذا كان عدلا وحقا في ذلك اليوم فإنه سيكون عدلا وحقا اليوم، لأن المنابر تجزم بأن عدالة الله أبدية وثابتة، وأنه أيضا ينبوع الأخلاق، وأن أخلاقه أبدية وغير قابلة للتغيير. جيد جدا، إذن، يجب علينا أن نصدق أن الناس في نيويورك إذا باشروا بالزنى مع بنات ولاية نيو جيرسي، فإنه سيكون عدلا وحقا أن تنصب أعواد المشانق أمام قاعة المدينة ويعلق عليها عميد البلدية والشريف والقضاة ورئيس الأساقفة، على رغم أنهم لم ينالوا شيئا. هذا لا يبدو لي صائبا.

وعلاوة على ذلك، يمكنك أن تتأكد تماما من شيء واحد: لا يمكن أن يحدث ذلك. هؤلاء الناس لن يسمحوا به. هم أفضل من كتابهم المقدس. لا شيء سيحدث هنا، ما عدا بعض الدعاوى القضائية، على الأضرار، إذا لم يمكن التستر عن الحادث، وحتى في الجنوب لن يتحركوا ضد أشخاص لم ينالوا شيئا، بل سيعدوا حبلا ويطاردوا المتبادلين وإذا لم يتمكنوا من العثور عليهم سيحرقوا أحد الزنوج.

لقد تحسنت الامور بشكل عظيم منذ زمنه عز وجل، ولتقل المنابر ما تشاء.

هلا درستم أخلاق الإله وتصرفه وسلوكه أكثر قليلا؟ وهلا تذكرتم أن في مدرسة يوم الأحد يحثون الأطفال الصغار على حبه عز وجل، وتكريمه، والثناء عليه، واتخاذه نموذجا يحاولوا أن يكونوا مثله بقدر الإمكان؟ إقرأ:

    1 وكلم الله موسى قائلا:
    2 انتقم لبني إسرائيل من المِدْيَنيين، وبعد ذلك تنضم إلى أهلك.
    7 فقاتلوا مِدْيَن كما أمر الله موسى، وقتلوا كل ذكر.
    8 وقتلوا أيضا، زيادة على قتلاهم، ملوك مدين وهم خمسة: أوي وراقم وصور وحور ورابع. وأما بلعام بن بعور، فقتلوه بالسيف.
    9 وسبى بنو إسرائيل نساء مدين وأطفالهم، وغنموا جميع بهائمهم ومواشيهم وأموالهم.
    10 وأحرقوا بالنار جميع مدنهم مع مساكنهم ومخيماتهم.
    11 وأخذوا الغنيمة كلها والنهب من بشر وبهائم.
    12 وأتوا إلى موسى وألعازار الكاهن وجماعة بني إسرائيل بالأسرى والنهب والغنيمة إلى المخيم في سهول مؤاب التي على أردن قرب أريحا.
    13 فخرج موسى وألعازار الكاهن وكل أعيان القوم لملاقاتهم خارج المخيم.
    14 فغضب موسى على ضباط الجيش، على رؤساء الألوف ورؤساء المئات، القادمين من قتال الحرب.
    15 وقال لهم موسى: هل استبقيتم الإناث كلهن؟
    16 إن هؤلاء هن اللواتي حملن بني إسرائيل، بمشورة بلعام، على أن يخونوا الرب في أمر فغور، فحلت الضربة في جماعة الرب.
    17 والآن فاقتلوا كل ذكر من الأطفال، واقتلوا كل امرأة عرفت مضاجعة رجل.
    18 وأما إناث الأطفال اللواتي لم يعرفن مضاجعة الرجال، فاستبقوهن لكم.
    19 وأنتم فخيموا خارج المخيم سبعة أيام، كل من قتل نفسا كل من لمس قتيلا، واطهروا أنتم وأسراكم في اليوم الثالث وفي اليوم السابع.
    20 وطهروا كل ثوب ومتاع جلد وكل ما صنع من شعر المعز وكل متاع من خشب.
    21 وقال ألعازار الكاهن لرجال الجيش الذين ذهبوا إلى المعركة: هذه فريضة الشريعة التي أمر الله بها موسى
    25 وكلم الله موسى قائلا:
    26 أحص الأسرى والغنيمة من البشر والبهائم، أنت وألعازار الكاهن ورؤساء بيوت القوم.
    27 واشطر ذلك بين أهل الحرب الذين خرجوا للقتال وسائر القوم.
    28 واقتطع ضريبة للرب من أهل الحرب الذين خرجوا للقتال...
    31 فصنع موسى وألعازار الكاهن كما أمر الله موسى.
    32 فكان النهب، أي ما بقي من الغنيمة التي سلبها رجال القتال: من الغنم ست مئة وخمسة وسبعين ألفا،
    33 ومن البقر اثنين وسبعين ألفا،
    34 ومن الحمير واحدا وستين ألفا،
    35 ومن النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة الرجال، اثنين وثلاثين ألفا.
    40 ومن البشر ستة عشر ألفا، فكانت ضريبة الرب منها اثنين وثلاثين نفسا.
    41 فسلم موسى الضريبة المقتطعة لله إلى إلعازار الكاهن، كما أمر الله موسى.
    47 أخذ موسى من قسمة بني إسرائيل واحدا من خمسين من البشر والبهائم وسلمه إلى اللاويين المسؤولين عن بيت الله كما أمر الله موسى.

    10 حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها الى الصلح
    13 واذا دفعها الله ربك الى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف
    14 و اما النساء و الاطفال و البهائم و كل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك و تاكل غنيمة اعدائك التي اعطاك الله ربك
    15 هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الامم هنا
    16 و اما مدن هؤلاء الشعوب التي يورثها لك الله ربك فلا تستبقِ منها نفسا

قانون الكتاب المقدس يقول : "لا تقتل".

قانون الله، المزروع في قلب الانسان عند ولادته، يقول: "أقتل".

الفصل الذي نقلته يريكم أن قانون الكتاب فاشل مرة أخرى. لا يمكنه ان يحيد قانون الطبيعة الأقوى.

ووفقا لاعتقاد هؤلاء الناس، أن الله نفسه هو الذي قال: "لا تقتل".

إذن، يتضح انه لا يمكنه الحفاظ على وصاياه نفسه.

لقد قتل كل هؤلاء الناس -- كل الذكور.

هم كانوا قد أساؤوا إلى الإله بطريقة ما. ونحن نعرف ما كان الجرم، بلا نظر؛ أي بمعنى، نحن نعلم أنه كان تافها؛ شيء ما صغير لا أحد إلا إله يمكنه أن يعلق عليه أي أهمية. وأكثر من المحتمل أن أحد المدينيين كان يكرر سلوك من يدعى أونان، وهو الذي كان قد أُمر أن "يدخل على زوجة أخيه" -- وهذا ما فعل، ولكن بدلا من الإتمام "هو أراقه على الأرض". والله قتل أونان على ذلك، لأن الله لم يكن أبدا يحتمل الغلظة. الله قتل أونان، وحتى هذا اليوم لا يمكن للعالم المسيحي ان يفهم لماذا توقف عند أونان، بدلا من قتل جميع السكان في دائرة 300 ميل -- لكونهم أبرياء من أي جريمة، وبالتالي هم بالتحديد من تعود على ذبحهم. ولأن ذلك كان دائما تصوره للمعاملة العادلة. إذا كان له شعار، فسيكون نصه "لا تسمح لبريء بالفرار". أنتم تتذكروا ما فعله في زمن الطوفان. كانت هناك جموع وجموع من الأطفال الصغار جدا، وكان يعرف أنهم لم يمسوه أبدا بضرر، ولكن أقاربهم فعلوا، وكان ذلك كافيا بالنسبة له: إنه رأى المياه ترتفع نحو شفاههم وهم يصرخون، وشهد الرعب المتوحش في عيونهم، ورأى عذاب الإستجداء في وجوه الأمهات الذي كان قادرا أن يلامس أي قلب إلا قلبه، ولكنه كان يطارد الأبرياء خاصة، فأغرق هؤلاء الصغار المساكين.

وتذكروا أنه بالنسبة لأحفاد آدم كل المليارات أبرياء -- لا أحد منهم كان له نصيب في جريمته، ولكن الإله يحملهم الذنب حتى يومنا هذا. لا أحد يسلم، إلا بالإعتراف بذلك الذنب -- ولا يكفي أي كذب أرخص من ذلك.

لابد أن أحد المدينيين كان يعيد فعل أونان، وجلب هذه الكارثة الرهيبة على أمته. وإذا لم تكن تلك الغلظة هي ما أغضب الإله، إذن أنا أعرف ما أغضبه: أحد المدينيين كان يشخ ببوله على الحائط. وأنا متأكد، لأن تلك كانت بذاءة لا يطيقها (مصدر كل الآداب) أبدا. يمكن لأي شخص أن يشخ على شجرة، ويمكنه أن يشخ على والدته، ويمكنه أن يشخ على سرواله، ثم يسلم، لكن لا يمكنه أبدا أن يشخ على الجدار -- ذلك يكون تمادي. أصل الإنحياز الالهي ضد هذه الجريمة المتواضعة لم يذكر، ولكننا نعلم أن الإنحياز كان قويا جدا -- من القوة بحيث أن لا شيء يمكنه أن يرضي الإله إلا مجزرة لسكان الإقليم بالجملة حيث تم تدنيس الجدار.

ولنأخذ مثال يربعام. "سأقطع من يربعام من شخ على الجدار". وقد تم ذلك. وليس فقط الرجل الذي فعل قُطع، بل كل شخص آخر.

نفس الشيء مع بيت بعشا: تمت إبادة الجميع، الأقارب والأصدقاء، والجميع، تاركا "لا أحد ممن شخوا على الجدار".

في حالة يربعام لديكم مثال من عادة الإله في عدم حصر العقوبات على المذنبين؛ الأبرياء مشمولين. وحتى "بقايا" ذلك البيت التعيس تمت إزالتها، "كما يزيل المرء الروث، إلى أن يزول بكامله." ويشمل ذلك النساء والخادمات الصغيرات، والفتيات الصغيرات. كل البريئات، لأنهن لا يمكن أن يشخخن على الجدار. لا أحد من ذاك الجنس يستطيع ذلك. ولا يمكن لأحد إلا من الجنس الآخر أن يحقق هذا الانجاز.

إنحياز غريب. ولا يزال موجودا. الآباء البروتستانت ما زالوا يحتفظوا بالكتاب المقدس في متناولهم في المنزل، بحيث يمكن للأطفال دراسته، ومن أول الأشياء التي يتعلمها الفتيان والفتيات أن يكونوا صالحين وطاهرين ولا يشخوا على الجدار. إنهم يدرسون تلك الفقرات أكثر من أي فقرات أخرى، باستثناء تلك التي تحرض على ممارسة العادة السرية. تلك يتصيدوها ويدرسوها سرا. لا يوجد طفل بروتستانتي لا يمارس الاستمناء. ذاك الفن هو أبكر براعة يمنحها له دينه. أيضا، أبكر براعة يمنحها لها دينها.

الكتاب المقدس له هذه الميزة على كل الكتب الأخرى التي تعلّم تهذيب وحسن الأخلاق: أنه يستهدف الطفل. يذهب إلى العقل في سن يكون فيها الأكثر إنصياعا وتقبلا -- والأخرى عليها الإنتظار.

  • ويكون لك رفش مع عدتك لتحفر به عندما تجلس خارجا وترجع وتغطي برازك

تلك القاعدة صنعت في الايام الخوالي "لأن الله ربك يسير في وسط محلتك."

ولعله ليس من المجدي محاولة التعرف، والتأكد، لماذا أبيد المدينيون. ولا يسعنا إلا أن نكون على يقين أن ذلك لم يكن لجرم كبير، لأن حالات آدم، والطوفان، وملوثي الجدار تعلمنا ذلك. قد يكون أحد المدينيين نسي رفشه في بيته، وبالتالي جلب المتاعب. ولكن، ليس أمرا مهما. الشيء الرئيسي هي المتاعب في حد ذاتها، والدروس من نوع أو آخر التي تقدمها لتعليم ورقي المسيحي في هذا العصر.

الله كتب على صفائح من حجر: "لا تقتل"، أيضا: "لا تزن".

بولس، ناطقا بالصوت الإلهي، نهى عن ممارسة الجنس كليا. تحول عظيم من النظرة الإلهية في زمن الحادثة المدينية.

---------------------------------------------
* نصوص الكتاب المقدس منقولة بتصرف من النسخة العربية (ض.م.)

التسميات: ,

9 تعليقات:

إرسال تعليق

مواضيع مرتبطة

إنشاء رابط

عودة إلى المدخل